في ظل الطلب المتسارع عالميا على معادن البطاريات والتقنيات النظيفة، تتجه أنظار شركات التعدين والدول الصناعية إلى أعماق المحيط الهادئ، حيث كان يعتقد أن القاع السحيق منطقة شبه خالية من الحياة.
غير أن دراسة علمية دولية حديثة قلبت هذه الفرضية رأسا على عقب، كاشفة عن نظام بيئي غني ومتنوع قد يتعرض لخطر بالغ في حال استغلاله صناعيا.
دراسة تكشف ما تحت الظلام
الدراسة، التي نشرت في دورية Nature Ecology & Evolution، أوضحت أن أعماق المحيط، وعلى عمق يقارب 4 آلاف متر، لا تمثل «صحراء بحرية» كما كان يعتقد، بل تؤوي تنوعا لافتا من الكائنات الحية التي تعتمد على توازن بيئي بالغ الحساسية.
وركزت الأبحاث على منطقة تعد نطاق شاسع ويُنظر إليه كأحد أهم المخازن المحتملة للعقيدات متعددة المعادن.
كنز معدني ونظام بيئي هش
تحتوي العقيدات المعدنية في هذه المنطقة على عناصر أساسية مثل المنغنيز والحديد والسيليكات، إضافة إلى معادن عالية القيمة تشمل النيكل والنحاس والكوبالت، وهي مكونات رئيسية في صناعة البطاريات والشرائح الإلكترونية، ما يجعل المنطقة هدفا استراتيجيا لخطط التعدين المستقبلية.
لكن الدراسة تحذر من أن هذه الثروة المعدنية تقع داخل نظام بيئي دقيق، قد لا يتحمل التدخل البشري واسع النطاق دون عواقب طويلة الأمد.
مئات الأنواع في قاع واحد
على مدى خمس سنوات، أمضى الفريق البحثي نحو 160 يومًا في عرض البحر، جمع خلالها عينات دقيقة من الرواسب وسطح القاع بهدف إنشاء «خط أساس» للتنوع البيولوجي قبل أي عمليات تعدين محتملة.
ووثق العلماء وجود 788 نوعا من كائنات قاع البحر يزيد حجمها على 0.3 مليمتر، كثير منها لم يوصف علميا من قبل، ما يعكس حجم المجهول الذي لا يزال يكتنف أعماق المحيطات.
قلة الأفراد وغنى الأنواع
ورغم أن عدد الكائنات الفردية في العينات كان منخفضا نسبيا، بمتوسط يقارب 200 فرد فقط، فإن تنوع الأنواع ظل مرتفعا بشكل لافت، في مفارقة تشير إلى أن البيئات السحيقة قد تكون فقيرة عدديا لكنها غنية بيولوجيا.
وانتمت غالبية الأنواع المكتشفة إلى ديدان عديدة الأشواك، والقشريات، والرخويات مثل القواقع والمحار، وهي كائنات تلعب أدوارًا أساسية في تدوير المواد العضوية والحفاظ على توازن النظام البيئي.
التعدين يترك أثرًا فوريًا
الجزء الأكثر حساسية في الدراسة تمثل في اختبار ميداني لتأثير تجربة تعدين صناعية، حيث مرت معدات لجمع الصخور عبر قاع البحر.
وأظهرت النتائج انخفاض كثافة الكائنات الحية بنسبة تصل إلى 37% داخل مسارات العبور المباشرة.
تعافٍ بطيء في أعماق الزمن
وأشار الباحثون إلى أن الزمن في الأعماق السحيقة يسير بوتيرة بطيئة للغاية، إذ تنمو طبقة الرواسب بمعدل لا يتجاوز ألف جزء من المليمتر سنويا، ما يعني أن آثار الخدش وإعادة توزيع الرواسب قد تستمر لعقود، وربما قرون.
وتخلص الدراسة إلى أن تعافي هذه الموائل سيكون أبطأ بكثير مقارنة بالبيئات البحرية القريبة من السطح، ما يثير تساؤلات جدية حول جدوى التعدين العميق دون إطار صارم للحماية البيئية.





