حذر المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة» لتداول الذهب والمجوهرات عبر الإنترنت، من التعامل مع ما يُعرف في السوق المصرية باسم «سبائك الذهب البلدي» باعتبارها بديلًا مكافئًا للسبائك الاستثمارية الرسمية، موضحًا أن المخاطر الأساسية لا ترتبط بالضرورة بكون الذهب الموجود داخلها مغشوشًا، وإنما بغياب منظومة الدمغ والتوثيق والتتبع التي توفر حماية أكبر للمستهلك.
وأوضح إمبابي أن ارتفاع أسعار الذهب وزيادة الإقبال على السبائك باعتبارها أداة للاستثمار وحفظ قيمة الأموال، ساهمَا في انتشار عروض لبيع سبائك غير مدموغة بأسعار قد تبدو أقل من أسعار السبائك الرسمية، مؤكدًا أن انخفاض السعر لا ينبغي أن يكون العامل الوحيد عند اتخاذ قرار الشراء.
ما هي سبيكة الذهب البلدي؟
قال إمبابي إن مصطلح «السبيكة البلدي» ليس تصنيفًا رسميًا لأحد أعيرة الذهب، وإنما وصف متداول في السوق لسبائك ذهبية غير مدموغة، غالبًا ما تنتج عن صهر الذهب الكسر والمشغولات القديمة وإعادة تشكيله في صورة كتلة أو سبيكة.
وأوضح أن عملية الصهر وإعادة التشكيل في حد ذاتها جزء طبيعي من دورة صناعة الذهب، حيث يُجمع الذهب القديم ويُصهر ويُحلل لتحديد نسبة الذهب الخالص فيه، قبل ضبط العيار وفق الغرض التصنيعي ودخوله في تصنيع منتجات تخضع للفحص والدمغ.
وأكد أن الفارق الأساسي يكمن في أن وجود الذهب غير المدموغ ضمن دورة الإنتاج كخام يختلف تمامًا عن طرحه للمستهلك النهائي باعتباره سبيكة استثمارية مكتملة المواصفات.
هل السبيكة البلدي ذهب حقيقي؟
وأشار إمبابي إلى أنه من الخطأ اعتبار كل سبيكة بلدي مغشوشة أو أن الذهب الموجود بها مزيف، موضحًا أنها قد تحتوي بالفعل على ذهب حقيقي وبنسبة مرتفعة.
لكن المشكلة، بحسب إمبابي، تتمثل في صعوبة تأكد المستهلك من نسبة الذهب الفعلية والعيار الحقيقي والجهة التي قامت بتحليل السبيكة ومدى توثيق هذا التحليل، إلى جانب مصدر الذهب والجهة المسئولة عن المنتج وإمكانية إعادة بيعه.
وشدد على أن وجود رقم مثل «21» أو «875» محفور على السبيكة لا يمثل في حد ذاته إثباتًا رسميًا للعيار، إذ يحتاج تحديد العيار إلى فحص وتحليل واعتماد ودمغ وفق الإجراءات الرسمية.
التحليل لا يغني عن الدمغ
وأوضح إمبابي أن تحليل الذهب يحدد نسبة نقائه، وهي عملية أساسية في صناعة وتجارة الذهب، إلا أن هناك فارقًا جوهريًا بين التحليل والدمغ.
وقال إن التحليل يحدد ما تحتويه العينة أو السبيكة من ذهب، بينما يمثل الدمغ الرسمي جزءًا من منظومة اعتماد المنتج وتحديد عياره والرقابة على تداوله.
وأضاف أن تأكيد البائع أن «السبيكة متحللة ومعروف عيارها» لا يعني بالضرورة أنها «منتج رسمي مدموغ ومضمون للمستهلك»، مؤكدًا أن المستهلك لا ينبغي أن يعتمد على الرقم المحفور أو نتيجة تحليل غير موثقة باعتبارها بديلًا عن الدمغة الرسمية.
الفاتورة تحمي حقوق المستهلك
ولفت إمبابي إلى أن الفاتورة في تجارة الذهب ليست مجرد إثبات لسداد قيمة المشتريات، وإنما تمثل عنصرًا مهمًا في إثبات عملية البيع وبيانات المنتج.
وأوضح أن أهمية الفاتورة تزداد عندما تكون بيانات المنتج واضحة وقابلة للتتبع، بما يشمل العيار والوزن والجهة المنتجة والبيانات الرسمية.
وأكد أن الحصول على فاتورة لا يعني وحده أن المستهلك أصبح في مأمن، إذ تكون الفاتورة أكثر فاعلية عندما تصف منتجًا محددًا يمكن تتبعه وربطه بجهة إنتاج وبيانات رسمية.
إعادة البيع أبرز المخاطر
وأشار إمبابي إلى أن صعوبة إعادة البيع تمثل إحدى أكبر المخاطر التي قد لا ينتبه إليها المستهلك عند شراء السبيكة البلدي.
وأوضح أنه عند شراء سبيكة رسمية من شركة معروفة، يكون المنتج معروفًا في السوق ويمكن عرضه على أكثر من تاجر عند الرغبة في بيعه، بينما قد يواجه حامل السبيكة البلدي طلبًا بإعادة تحليلها أو رفض شرائها أو توجيهه إلى البائع الأصلي.
وذكر أن السبب يرجع إلى أن التاجر الذي لم ينتج السبيكة ولم يتعامل معها منذ البداية لا يملك بالضرورة القدرة نفسها على التحقق من تاريخها ومصدرها وعيارها.
وأكد أن الدمغة وبيانات المنتج والفاتورة تساعد في السبيكة الرسمية على بناء سلسلة واضحة من المنتج إلى المستهلك، بينما تصبح الثقة في حالة السبيكة غير المدموغة مرتبطة بدرجة أكبر بالبائع نفسه.
مصدر الذهب يضيف مخاطرة
ولفت إمبابي إلى أهمية معرفة مصدر الذهب الذي دخل في تكوين السبيكة، موضحًا أنه عند صهر كميات من الذهب الكسر أو المشغولات المختلفة، يصعب على المشتري النهائي معرفة تاريخ كل جزء من الذهب الموجود داخل السبيكة.
وشدد على أن ذلك لا يعني أن كل ذهب مصهور مجهول المصدر أو غير مشروع، إلا أن غياب المستندات وسلسلة التوريد الموثقة يجعل تتبع المصدر وإثبات مشروعية الحيازة والتداول أكثر تعقيدًا.
وأكد أن شراء سبيكة غير مدموغة لا يعني تلقائيًا تحمل المشتري مسؤولية جنائية عن مصدر الذهب، إذ تختلف المسؤولية القانونية بحسب الوقائع ومصدر الذهب وطبيعة التعامل ومدى العلم بالمخالفة والمستندات المتاحة، إلا أن غياب الدمغة والمستندات يمثل مخاطرة أكبر بالنسبة للمستهلك من حيث الإثبات والتتبع وحماية الحقوق.
هل السبيكة البلدي أرخص فعلًا؟
وأوضح إمبابي أن المستهلك يجب ألا ينظر إلى سعر الشراء فقط عند مقارنة السبيكة البلدي بالسبيكة الرسمية، وإنما عليه حساب التكلفة الحقيقية للاستثمار، والتي تشمل سعر الشراء وإمكانية إثبات العيار وقابلية إعادة البيع ودرجة قبول السوق والمستندات والمخاطر المحتملة.
وقال إن توفير مبلغ عند الشراء قد يتحول إلى تكلفة أكبر لاحقًا إذا اضطر المشتري إلى إعادة تحليل السبيكة، أو واجه خصمًا عند إعادة بيعها، أو لم يجد مشتريًا لها بسهولة.
لماذا تنتشر السبائك البلدي؟
وأشار إمبابي إلى أن ارتفاع أسعار الذهب وزيادة رغبة المواطنين في امتلاك المعدن النفيس، إلى جانب البحث عن منتجات أقل تكلفة ونقص المعروض من بعض أنواع السبائك الاستثمارية في فترات معينة، ساهمت في انتشار السبائك البلدي.
وأضاف أن السوق شهد عروضًا لبيع السبائك غير المدموغة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة مع ارتفاع الطلب على السبائك، محذرًا من اعتبار انخفاض السعر وحده دليلًا على جودة الصفقة أو أنها أكثر توفيرًا.
ليست كل سبيكة غير مدموغة مغشوشة
وأكد إمبابي أن السبيكة غير المدموغة ليست بالضرورة مغشوشة، موضحًا أنها قد تكون مصنوعة من ذهب حقيقي، وقد تكون جزءًا من عملية صناعية طبيعية داخل سوق الذهب.
لكن المشكلة تكمن في أن المستهلك النهائي لا ينبغي أن يتحمل مخاطر المادة الخام غير المدموغة بدلًا من الحصول على منتج نهائي موثق ومعتمد.
وقال إن التحذير من السبائك البلدي لا يعني اتهام كل من يتعامل بها بالغش، وإنما يهدف إلى التفريق بين خام يستخدم في الصناعة وبين منتج استثماري يُباع للمستهلك.
السبيكة الرسمية الخيار الأكثر أمانًا
وأوضح إمبابي أن السبيكة الرسمية المدموغة من جهة معروفة تكون أكثر ملاءمة للمستهلك الذي يبحث عن الاستثمار في الذهب، لأنها توفر منظومة أفضل من التوثيق وإثبات العيار والوزن وقابلية إعادة التداول.
وأكد أن الذهب الموجود داخل السبيكة البلدي قد تكون له قيمة، لكن المنتج نفسه لا يوفر للمستهلك بالضرورة مستوى الأمان ذاته الذي توفره السبيكة الرسمية.
8 نصائح قبل شراء السبيكة
واختتم إمبابي بالتأكيد على ضرورة التأكد قبل شراء أي سبيكة من وجود الدمغة الرسمية، ووضوح العيار والوزن، ومعرفة الجهة المنتجة، والحصول على فاتورة واضحة، والتأكد من إمكانية إعادة البيع لدى أكثر من تاجر.
كما نصح بعدم الاعتماد على الرقم المحفور على السبيكة وحده، والحذر من المنتجات مجهولة المصدر المعروضة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم اعتبار انخفاض السعر دليلًا كافيًا على قوة الصفقة.
وأكد أن القاعدة الأساسية للمستهلك هي ألا يسأل فقط عن عيار السبيكة، وإنما عن الجهة التي أنتجتها، ومن قام بدمغها، ووجود الفاتورة، وكيفية إثبات وزنها وعيارها، ومن سيشتريها عند إعادة البيع، وما المستند الذي يثبت مصدرها.
وشدد إمبابي على أن السبيكة البلدي غير المدموغة لا يمكن اعتبارها بديلًا آمنًا ومكافئًا للسبيكة الذهبية الرسمية الموجهة للمستهلك، لأن المخاطر لا تتعلق بالضرورة بمعدن الذهب نفسه، وإنما بغياب منظومة الضمان والتوثيق والتتبع، وما قد يترتب على ذلك من صعوبات تتعلق بالعيار والدمغة والفاتورة ومصدر الذهب وإعادة البيع وإثبات الملكية والحقوق.
وأشار إلى أن التعامل في السبائك الرسمية المدموغة، والمعروفة الجهة المنتجة، والموثقة بفاتورة، والقابلة لإعادة البيع بصورة واضحة في السوق، يظل الخيار الأكثر أمانًا للمستهلك الباحث عن الاستثمار في الذهب.


