في مكتبة الإسكندرية، حيث تتجاور الكتب التي تحفظ ذاكرة مصر مع أدوات المعرفة الحديثة، يفتح مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة» نقاشاً يتجاوز تعريف الهوية ومكوناتها، إلى سؤال أكثر اتصالاً بالحاضر: كيف تحافظ الأجيال الجديدة على صلتها بجذورها في عالم تتغير فيه مصادر المعرفة والتأثير بصورة متسارعة؟
على مدار ثلاثة أيام، يناقش المؤتمر، الذي يعقد خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر، عدداً من القضايا المرتبطة بالهوية المصرية، بمشاركة مسؤولين وخبراء وأكاديميين ومثقفين وشباب، في محاولة لبحث التحديات التي تواجه ترسيخ قيم الهوية، والوسائل التي يمكن من خلالها تعزيزها لدى الأجيال الجديدة.
وتأتي هذه المناقشات في وقت لم تعد فيه الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية المصادر الوحيدة التي يتشكل من خلالها وعي الشباب؛ إذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية جزءاً أساسيًا من الحياة اليومية، بما تحمله من محتوى وأفكار وأنماط ثقافية عابرة للحدود.
ويطرح هذا التحول تحدياً جديدا أمام مفهوم الهوية الوطنية، لا يتعلق فقط بالحفاظ على عناصرها التقليدية، وإنما بكيفية تقديمها للأجيال الجديدة بصورة تتفاعل مع واقعها وتطورات العصر.
ويخصص المؤتمر أحد محاوره لمناقشة «الهوية في العصر الرقمي: الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي»، في ظل التطور المتسارع لأدوات إنتاج المحتوى وتأثيرها في تشكيل المعرفة والاتجاهات العامة.
ولا يقف النقاش عند التكنولوجيا، إذ تتناول جلسات المؤتمر علاقة الهوية بالخطاب الثقافي، والفن والتراث، والتعليم، والأسرة، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب دور مؤسسات الدولة والمجتمع المدني في تشكيل الوعي وتعزيز الانتماء.
ويحضر سؤال الذاكرة أيضاً في هذا النقاش، من خلال المائدة المستديرة التي تناقش «الهوية وبناء التشاركية الاجتماعية: العقل الجمعي والذاكرة الجمعية والثقة العمومية»، برئاسة الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية.
فالهوية المصرية لا تتشكل من عنصر واحد، وإنما من تراكم تاريخي وثقافي واجتماعي طويل، يتداخل فيه ما هو موروث بما هو معاصر، وما تحفظه المؤسسات بما يعيشه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.
ويبدو التحدي أمام الأجيال الجديدة مرتبطًا بقدرتها على استيعاب هذا الإرث والتفاعل معه، في وقت أصبحت فيه حركة الأفكار والثقافات أسرع من أي وقت مضى.
ومن هنا تأتي أهمية البحث عن صيغة لا تضع الهوية في مواجهة التطور، ولا تجعل الانفتاح على العالم مرادفًا للتخلي عن الخصوصية الثقافية، وإنما تنظر إلى الهوية باعتبارها عملية مستمرة تتطور مع المجتمع وتحافظ في الوقت نفسه على عناصره الأساسية.
ويختتم المؤتمر أعماله بإعلان التوصيات وإطلاق «وثيقة مكتبة الإسكندرية للهوية الوطنية»، بما يمثل محاولة لترجمة النقاشات التي شهدتها جلساته إلى رؤية أكثر تحديدًا بشأن تعزيز الهوية الوطنية، خاصة بين الأجيال الشابة.
وفي هذا السياق، ربما لا يكون السؤال «من أنا؟» بحثاً عن إجابة واحدة ونهائية، بقدر ما يمثل نقطة بداية لفهم العلاقة بين المصري وتاريخه ومجتمعه والعالم الذي يعيش فيه.
فالأجيال الجديدة لا تبدأ من الصفر، لكنها أيضاً لا تعيش في العالم الذي عاش فيه آباؤها.. وبين ما ورثته وما تصنعه بنفسها، تتشكل ملامح فصل جديد من حكاية الهوية المصرية.