رغم أن الإنسان يعيش يومًا كاملًا وفق إيقاع يبدو ثابتًا، فإن الحقيقة العلمية تكشف مفاجأة مختلفة؛ فطول اليوم على كوكب الأرض لا يبقى متطابقًا تمامًا، بل يتغير بفروق بالغة الصغر لا يمكن ملاحظتها بالعين المجردة، لكنها تحمل دلالات مهمة حول ما يجري في أعماق الكوكب.
وبحسب تقرير نشرته مجلة «WIRED»، استنادًا إلى دراسة حديثة في مجلة «Nature»، فإن جانبًا من هذه التغيرات قد يكون مرتبطًا بما يحدث في قلب الأرض، وليس فقط بالعوامل الموجودة على سطحها.
الأرض لا تدور بالسرعة نفسها دائمًا
يراقب العلماء منذ عقود التغيرات الدقيقة في سرعة دوران الأرض، والتي قد تصل أحيانًا إلى أجزاء قليلة من الثانية، وتتأثر هذه السرعة بمجموعة معقدة من العوامل، من بينها حركة الغلاف الجوي والمحيطات، إضافة إلى الزلازل الكبرى التي يمكن أن تعيد توزيع كتل داخل الكوكب.
كما يؤثر ذوبان الجليد على اليابسة، إذ تنتقل كميات ضخمة من المياه إلى المحيطات، وهو ما ينعكس بدوره على دوران الأرض، لكن هذه العوامل لا تبدو كافية وحدها لتفسير جميع التغيرات التي تظهر على مدى فترات زمنية طويلة.
مفاجأة في النواة الخارجية
تحت الطبقات الصخرية التي نعيش فوقها توجد النواة الخارجية للأرض، وهي طبقة هائلة من المعادن السائلة شديدة الحرارة، تمتد لنحو 1400 ميل. وتتحرك المعادن داخلها باستمرار، ويمكن للتغير في تدفقها أن يؤثر بصورة طفيفة في سرعة دوران بقية الكوكب.
لكن الباحثين يعتقدون أن هناك آلية أكثر تعقيدًا تحدث في الأعماق، ترتبط بالتفاعل بين النواة الداخلية والوشاح.
الجاذبية تدخل على الخط
تقترح الدراسة أن الجاذبية قد تلعب دورًا أساسيًا في نقل التأثيرات من قلب الأرض إلى الطبقات الخارجية، فالنواة الداخلية لا تدور بالطريقة نفسها تمامًا التي تدور بها بقية أجزاء الكوكب، وهو ما يخلق اختلافًا في الحركة.
ويرى الباحثون أن جاذبية النواة الداخلية تعمل على دفع مكونات باطن الأرض نحو حالة أكثر توافقًا، بينما تتداخل معها تأثيرات أخرى ناتجة عن التفاعلات بين النواة والوشاح.
«شد حبل» في قلب الكوكب
وأعاد العلماء بناء التغيرات التي طرأت على دوران الأرض بين عامي 1964 و2019، مستفيدين من تقديرات زلزالية لحركة النواة الداخلية ونماذج لحركة المعادن السائلة في النواة الخارجية.
وأظهر النموذج أن التأثير الجاذبي قادر على محاكاة توقيت وحجم بعض التغيرات التدريجية التي رُصدت بالفعل.
ومع ذلك، لا تعني النتائج أن العلماء حددوا العامل الوحيد المسؤول عن اختلاف طول اليوم، إذ ما تزال هناك قوى أخرى مؤثرة، لكن الدراسة تقدم تفسيرًا مهمًا للغز ظل مرتبطًا بتغير دوران الأرض على المدى الطويل.
وهكذا، فإن أجزاء صغيرة للغاية من الثانية في طول يومنا قد تكون انعكاسًا لصراع هائل يجري في أعماق الكوكب بين المعادن السائلة، واختلاف حركة النواة الداخلية، وقوة الجاذبية.





