قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

من الصحراء إلى الإنتاج.. أسرار أكبر تحول زراعي في تاريخ مصر

الدلتا الجديدة.. مشروع قومي عملاق يعيد رسم خريطة الزراعة
الدلتا الجديدة.. مشروع قومي عملاق يعيد رسم خريطة الزراعة

في خطوة تعكس حجم التحولات الكبرى التي تشهدها الدولة المصرية في ملف التنمية الزراعية والتوسع العمراني والإنتاجي، شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي افتتاح مشروع الدلتا الجديدة التنموي المتكامل بمنطقة الضبعة، أحد أكبر المشروعات الزراعية في تاريخ مصر الحديث، والذي يمثل نقلة استراتيجية تستهدف تعزيز الأمن الغذائي، وتوسيع الرقعة الزراعية، وتحقيق التنمية المستدامة في قلب الصحراء المصرية.

وخلال فعاليات الافتتاح، حرص الرئيس السيسي على توضيح حجم الجهد المبذول في المشروع، مؤكدًا أن ما تحقق في قطاع الزراعة خلال السنوات الأخيرة يمثل “مدعاة حقيقية لفخر المصريين”، خاصة أن هذه المشروعات العملاقة جرى تنفيذها بالكامل بأيدي المصريين وبمشاركة مؤسسات الدولة المختلفة، في واحدة من أكبر عمليات التنمية المتكاملة التي شهدتها البلاد.

وأكد الرئيس السيسي أن مشروع الدلتا الجديدة ليس مجرد مشروع زراعي تقليدي، بل منظومة تنموية متكاملة تضم شبكات مياه وكهرباء وطرق ومحطات رفع ومعالجة، موضحًا أن حجم الإنفاق على تجهيز البنية الأساسية للمشروع وصل إلى نحو 800 مليار جنيه، من أجل تجهيز 2.2 مليون فدان لتصبح صالحة للزراعة والإنتاج.

مصر وإفريقيا في عهد الرئيس السيسي..من استعادة الحضور لتوسيع الشراكة الشاملة

مشروع قومي عملاق يعيد تشكيل الخريطة الزراعية

وأوضح الرئيس السيسي أن مشروع الدلتا الجديدة يمثل حكاية كبيرة من العمل والتخطيط والتنفيذ، حيث تم إنشاء بنية تحتية ضخمة للغاية شملت حفر مسارات مائية بطول يصل إلى 150 كيلومترًا لنقل مياه الصرف الزراعي المعالجة إلى مناطق الاستصلاح الجديدة، في خطوة تهدف إلى تعظيم الاستفادة من الموارد المائية المتاحة.

وأشار إلى أن الدولة تحركت في هذا المشروع “عكس قوانين الطبيعة”، بعدما أصبح نقل المياه يتم من المناطق المنخفضة إلى المرتفعات عبر محطات رفع عملاقة وشبكات هندسية معقدة، في حين أن نظم الري القديمة التي أنشئت في عهد محمد علي كانت تعتمد على الانحدار الطبيعي للمياه دون الحاجة إلى رفع أو ضخ.

وأضاف الرئيس أن الدولة أنشأت عددًا كبيرًا من محطات الرفع العملاقة التي تعمل على نقل المياه لمسافات طويلة، إلى جانب تنفيذ شبكات كهرباء ضخمة تضم أكثر من 100 ألف برج كهربائي لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل المشروع بكامل طاقته.

وأكد أن الدولة نفذت كذلك شبكة طرق هائلة تجاوزت 12 ألف كيلومتر لخدمة المناطق الجديدة وربطها بباقي المحافظات، بما يسهم في دعم التنمية الزراعية والصناعية واللوجستية داخل المشروع.

بنية تحتية غير مسبوقة

وخلال كلمته، شدد الرئيس السيسي على أن تجهيز الفدان الواحد داخل مشروع الدلتا الجديدة يتكلف ما بين 350 و400 ألف جنيه، نتيجة حجم الأعمال الهندسية والبنية الأساسية المطلوبة، وهو ما يفسر وصول التكلفة الإجمالية للمشروع إلى نحو 800 مليار جنيه.

وأوضح أن المشروع يتضمن إنشاء ترع وشبكات ري ومحطات معالجة ومحطات رفع عملاقة، بالإضافة إلى شبكات الكهرباء الداخلية والخارجية، إلى جانب تجهيز الأراضي بالكامل لتصبح صالحة للزراعة وفق أحدث النظم الزراعية الحديثة.

وأشار إلى أن المشروع يعتمد على معالجة مياه الصرف الزراعي معالجة ثلاثية متطورة، بهدف إعادة استخدامها بصورة آمنة ومستدامة في الزراعة، وهو ما يمثل أحد أكبر مشروعات إعادة استخدام المياه في المنطقة.

وأكد الرئيس أن هذا المشروع لم يكن ليتحقق دون التعاون الكامل بين أجهزة الدولة المختلفة، وفي مقدمتها وزارات الري والكهرباء والزراعة والنقل، إلى جانب مساهمة شركات القطاع الخاص التي تشارك في تنفيذ أجزاء واسعة من المشروع.

مليونا فرصة عمل واستثمارات ضخمة

وأكد الرئيس السيسي أن مشروع الدلتا الجديدة سيوفر نحو مليوني فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، مشيرًا إلى أن هذه الفرص ليست مؤقتة، بل وظائف مستقرة ومستدامة ترتبط بالنشاط الزراعي والصناعات المرتبطة به.

وأوضح أن أكثر من 150 شركة تعمل داخل المشروع حاليًا، أغلبها من شركات القطاع الخاص، في إطار توجه الدولة نحو إشراك القطاع الخاص في المشروعات التنموية الكبرى، بما يعزز معدلات النمو الاقتصادي ويوفر فرصًا استثمارية جديدة.

وأضاف أن المشروع لا يقتصر فقط على الزراعة، بل يشمل أيضًا أنشطة التصنيع الزراعي والتخزين والنقل والخدمات اللوجستية، بما يخلق مجتمعات عمرانية وإنتاجية متكاملة قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من العمالة.

وأشار الرئيس إلى أن الدولة تعمل على إنشاء صوامع حديثة بسعة تصل إلى 500 ألف طن لتخزين القمح المنتج من المشروع، إلى جانب إقامة مشروعات صناعية مرتبطة بالإنتاج الزراعي لتعظيم القيمة المضافة للمحاصيل.

خطة زراعية متكاملة لتعظيم الإنتاج

وأكد الرئيس السيسي أن الزراعة داخل مشروع الدلتا الجديدة تتم وفق خطة علمية مدروسة تهدف إلى تحقيق أعلى إنتاجية ممكنة، من خلال اختيار نوعية المحاصيل المناسبة لطبيعة الأراضي الصحراوية.

وأوضح أن بعض المحاصيل تحقق إنتاجية أعلى في الأراضي الرملية مقارنة بالأراضي الطينية التقليدية، مثل البنجر، في حين تبقى محاصيل أخرى مثل القمح أكثر إنتاجية داخل أراضي الدلتا القديمة.

وأشار إلى أن الدولة تعمل على إعادة توزيع الزراعات بشكل يحقق أقصى استفادة اقتصادية وإنتاجية، من خلال زراعة المحاصيل التي تناسب كل نوع من الأراضي، بما يضمن تعظيم العائد الزراعي وتقليل الفاقد.

وأضاف أن المشروع يتضمن حاليًا نحو 500 ألف فدان مزروعة بالقمح، مع خطط للتوسع إلى مليون فدان إضافية، في إطار جهود الدولة لتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الفجوة الاستيرادية.

الاكتفاء الذاتي الكامل “غير واقعي”

وفي رسائل حملت قدرًا كبيرًا من المصارحة، أكد الرئيس السيسي أن فكرة تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من جميع المحاصيل الزراعية في دولة بحجم مصر ليست واقعية، بسبب محدودية الموارد المائية والأراضي الزراعية مقارنة بحجم السكان.

وأوضح أن مصر تحتاج إلى ملايين الأطنان سنويًا من محاصيل استراتيجية مثل الذرة والقمح والأعلاف، وهو ما يجعل من الصعب تحقيق اكتفاء كامل مهما توسعت الدولة في استصلاح الأراضي.

وأشار إلى أن الهدف الحقيقي يتمثل في تقليل الفجوة الغذائية وتحقيق أكبر قدر ممكن من الأمن الغذائي، وليس الوصول إلى الاكتفاء الكامل في جميع المنتجات.

وأضاف الرئيس: “التنمية لا تتوقف والطموح لا يتوقف، وكل مشروع جديد يمثل خطوة إضافية نحو تحسين حياة المواطنين وتوفير احتياجاتهم”.

شبكة مشروعات زراعية عملاقة

وخلال كلمته، أشار الرئيس السيسي إلى أن مشروع الدلتا الجديدة يأتي ضمن سلسلة مشروعات زراعية وتنموية ضخمة تنفذها الدولة في مختلف أنحاء الجمهورية، ومنها مشروعات توشكى وشرق العوينات وسيناء والمنيا وبني سويف وكوم أمبو.

وأوضح أن إجمالي الأراضي التي تعمل الدولة على استصلاحها ضمن هذه المشروعات يقترب من ملايين الأفدنة، في إطار خطة قومية تستهدف زيادة الرقعة الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي وخلق مجتمعات تنموية جديدة.

وأكد أن هذه المشروعات تمثل مستقبل التنمية في مصر، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالنمو السكاني والتغيرات المناخية وارتفاع معدلات الطلب على الغذاء.

رسالة ثقة للمصريين

وفي ختام كلمته، وجه الرئيس السيسي رسالة للمصريين، مؤكدًا أن ما تحقق من إنجازات في قطاع الزراعة والبنية التحتية لم يكن ليتحقق إلا بفضل الله ثم بجهود المصريين ومؤسسات الدولة المختلفة.

وقال الرئيس: “لازم الناس تكون سعيدة بما تحقق، لأن تنفيذ هذه المشروعات العملاقة ليس أمرًا سهلًا، خاصة في دولة يتجاوز عدد سكانها 100 مليون مواطن”.

وأضاف أن الدولة تحتاج إلى بذل المزيد من الجهد والعمل المستمر من أجل تلبية احتياجات المواطنين وتحقيق التنمية الشاملة، مؤكدًا أن مصر ماضية في طريق البناء والتطوير رغم التحديات.

نقلة نوعية غير مسبوقة

ومن جانبه، أشاد خبير التنمية المحلية الدكتور الحسين حسان، بمشروع الدلتا الجديدة، مؤكدًا أنه يمثل نقلة نوعية غير مسبوقة في مسار التنمية الزراعية والعمرانية في مصر، ويعكس حجم التحول الاستراتيجي الذي تتبناه الدولة لتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الفجوة الاستيرادية.

وأضاف حسان في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن المشروع لا يمكن النظر إليه كمجرد توسع زراعي، بل هو منظومة تنموية متكاملة تشمل البنية التحتية من طرق وكهرباء ومياه ومحطات رفع ومعالجة، وهو ما يجعله نموذجًا حديثًا للتنمية الشاملة التي تربط بين الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية.

وأوضح أن ضخ استثمارات ضخمة تصل إلى مئات المليارات في مشروع بهذا الحجم يعكس جدية الدولة في إعادة تشكيل الخريطة الزراعية لمصر، وفتح آفاق جديدة للاستثمار وخلق فرص عمل مستقرة، مشيرًا إلى أن توفير نحو مليوني فرصة عمل يمثل أحد أهم المكاسب الاجتماعية والاقتصادية للمشروع.

وشدد خبير التنمية المحلية على أن نجاح مشروع الدلتا الجديدة يؤكد قدرة الدولة على تنفيذ مشروعات عملاقة في بيئة صعبة، وتحويل الصحراء إلى مناطق إنتاج حقيقية، معتبرًا أن المشروع يمثل ركيزة أساسية في مستقبل التنمية المستدامة في مصر خلال العقود المقبلة.

ومع استمرار تنفيذ مشروعات الاستصلاح الزراعي العملاقة، تبدو الدلتا الجديدة واحدة من أهم الركائز التي تراهن عليها الدولة المصرية لتعزيز أمنها الغذائي وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، في مشروع يمثل نموذجًا جديدًا لقدرة المصريين على تحويل الصحراء إلى مناطق إنتاج وحياة.