بعد أشهر طويلة من المفاوضات المعقدة والجهود الدبلوماسية المكثفة، عاد ملف التهدئة في قطاع غزة إلى واجهة المشهد الإقليمي مع الإعلان عن تفاهمات جديدة تستهدف وقف العمليات العسكرية، وإطلاق مسار لإدارة المرحلة التالية في القطاع، وسط ترقب دولي لمدى قدرة الأطراف على تنفيذ بنود الاتفاق وتحويله من تفاهمات سياسية إلى واقع ميداني.

وفي قلب هذه التحركات، برزت مصر باعتبارها أحد أهم الوسطاء والضامنين للاتفاق، مستفيدة من خبرتها الممتدة في إدارة ملفات التهدئة الفلسطينية، وعلاقاتها المباشرة مع مختلف الأطراف، بما جعل القاهرة نقطة الارتكاز الأساسية في جهود تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق المنطقة إلى موجة جديدة من التصعيد.

ومن جانبها، أكدت الدولة المصرية استمرار التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين لدعم تنفيذ الاتفاق، وتأمين تدفق المساعدات الإنسانية، ودفع ترتيبات اليوم التالي في غزة.
وتشير بنود الاتفاق المعلنة إلى خارطة طريق تقوم على تنفيذ مراحل متتابعة تشمل وقف الأعمال العسكرية، وتبادل الإجراءات بين الأطراف، وإعادة تنظيم الإدارة المدنية في القطاع، مع انسحاب إسرائيلي تدريجي يرتبط بآليات تحقق دولية، إلى جانب إطلاق مسار لإعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الإنسانية، إلا أن التنفيذ لا يزال يواجه تحديات تتعلق بترتيب أولويات كل طرف وآليات تطبيق الالتزامات المتبادلة.
مصر.. الوسيط الذي حافظ على قنوات الاتصال
وخلال السنوات الماضية، نجحت القاهرة في الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، وهو ما منحها قدرة على إدارة الأزمات المتلاحقة، سواء فيما يتعلق بوقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات الإنسانية أو تبادل الأسرى والمحتجزين.

كما لعبت مصر دورا محورا في تقريب وجهات النظر بين الفصائل الفلسطينية، واستضافة جولات الحوار، بالتوازي مع تنسيق مستمر مع الولايات المتحدة وقطر والشركاء الدوليين لضمان استمرار مسار التهدئة، وهو ما انعكس في الاجتماعات التي استضافتها القاهرة خلال الأشهر الماضية لاستكمال مراحل الاتفاق.
تداعيات الاتفاق على المنطقة
وفي السياق نفسه، نجاح الاتفاق في الصمود ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود قطاع غزة، إذ قد يسهم في:
خفض احتمالات توسع المواجهة العسكرية إلى جبهات إقليمية أخرى.
تحسين تدفق المساعدات الإنسانية وبدء مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
خلق مساحة لاستئناف التحركات السياسية الخاصة بالقضية الفلسطينية.
تعزيز الاستقرار النسبي في منطقة شرق المتوسط وتقليل مخاطر التصعيد الأمني.
منح الوسطاء الإقليميين، وفي مقدمتهم مصر، مساحة أكبر لدفع مسارات التسوية السياسية.
وفي المقابل، يجب من أن أي إخفاق في تنفيذ المراحل المتفق عليها أو أي خروقات ميدانية قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، خاصة مع استمرار الخلافات بشأن توقيت تنفيذ الالتزامات المتبادلة بين الأطراف.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بشأن قطاع غزة يمثل محطة مفصلية في مسار الأزمة، ويعكس نجاحا للجهود الدبلوماسية التي قادتها مصر خلال الأشهر الماضية، بالتنسيق مع كل من قطر وتركيا، من أجل تقريب وجهات النظر بين الأطراف الفلسطينية والتوصل إلى صيغة توافقية لمعالجة القضايا الخلافية.
وأضاف الرقب- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن الاتفاق جاء بعد مفاوضات مكثفة تناولت معظم الملفات الشائكة، وفي مقدمتها أوضاع الموظفين، وترتيبات السلاح، وآليات إدارة المرحلة الانتقالية، بما يمهد لإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني وتهيئة المناخ لإطلاق عملية إعادة إعمار قطاع غزة.

وأشار الرقب، إلى أن الخطوات التالية ستبدأ بالإعلان الرسمي عن الاتفاق، يعقبه تشكيل لجنة وطنية تتولى إدارة شؤون القطاع، إلى جانب انتشار عناصر الشرطة الفلسطينية التي تلقت برامج تدريبية في مصر.
وأكد أن عملية تنظيم وتسليم السلاح ستتم بصورة تدريجية ومنظمة، بما يحافظ على الأمن الداخلي ويحول دون حدوث أي فراغ أمني أو اضطرابات ميدانية.
وتابع: "العقبة الرئيسية أمام نجاح الاتفاق لا تتمثل في الموقف الفلسطيني، الذي أبدى التزاما واضحا بما تم التوافق عليه، وإنما في مدى التزام الجانب الإسرائيلي بتنفيذ بنود الاتفاق، والولايات المتحدة تتحمل مسؤولية محورية بصفتها الضامن الرئيسي لإسرائيل، خاصة في ظل ما تشهده الساحة الإسرائيلية من اعتبارات سياسية واستحقاقات انتخابية".
واختتم:"مصر اضطلعت بدور دبلوماسي محوري، وواصلت جهودها المكثفة على مدار الأشهر الماضية من أجل تقريب وجهات النظر والوصول إلى هذه المرحلة، معربا عن تطلعه إلى أن تتحول التفاهمات الحالية إلى اتفاق نهائي ومستدام، يضع حدا للحرب، ويمهد لانطلاق عملية إعادة إعمار غزة، ويعزز فرص الاستقرار في المنطقة بأسرها".
ومن جانبه، قال عبدالله نعمة، المحلل السياسي اللبناني، إن مصر أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها الطرف الإقليمي الأكثر قدرة على إدارة ملف غزة بحكم علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، وهو ما جعلها الضامن الرئيسي لأي تفاهمات تهدف إلى تثبيت التهدئة.
وأضاف نعمة- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن أهمية الدور المصري لا تقتصر على الوساطة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وإنما تمتد إلى إدارة المرحلة التالية للاتفاق، خاصة ما يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية، وترتيبات إعادة الإعمار، ودعم المؤسسات الفلسطينية، وهو ما يمنح الاتفاق فرصة أكبر للاستمرار إذا التزمت جميع الأطراف ببنوده.
وأشار نعمة، إلى أن نجاح الاتفاق ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن المنطقة بأكملها، إذ سيسهم في تقليص احتمالات اتساع دائرة الصراع، ويعيد التركيز على الحلول السياسية بدلا من الخيارات العسكرية.
وأكد أن القاهرة ستظل اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيرا في أي ترتيبات مستقبلية تخص قطاع غزة والقضية الفلسطينية.
مستقبل الاتفاق
ورغم حالة التفاؤل الحذر التي صاحبت الإعلان عن الاتفاق، يبقى نجاحه مرهونا بمدى التزام الأطراف بتنفيذ مراحله وفق الجداول الزمنية المحددة، واستمرار دور الوسطاء في احتواء أي خلافات قد تظهر خلال التنفيذ.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو مصر أمام مرحلة جديدة من الجهد الدبلوماسي، لا تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل تمتد إلى دعم الاستقرار الإقليمي، وتهيئة المناخ أمام مسار سياسي أكثر استدامة، بما يحفظ الأمن الإقليمي ويخفف من معاناة المدنيين في قطاع غزة.
والجدير بالذكر، أنه في ظل التطورات المتسارعة، تبدو مصر صاحبة الدور الأكثر تأثيرا في مسار التوصل إلى اتفاق وقف الحرب، بعدما قادت جهود الوساطة منذ اندلاع الأزمة، وحافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، وهو ما جعلها الركيزة الأساسية لأي تفاهمات أفضت إلى الاتفاق.
وجاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى صيغة لوقف الحرب في قطاع غزة تتويجا لجولات تفاوضية معقدة شاركت فيها مصر بالتنسيق مع قطر والولايات المتحدة وشركاء إقليميين، وسط إشادة أمريكية بالدور الذي لعبته القاهرة في تقريب وجهات النظر ودفع المفاوضات نحو نقطة التوافق.

ويعكس الاتفاق، حال الالتزام الكامل بتنفيذه، تحولا مهما في مسار الأزمة، إذ يتضمن وقفا شاملا للأعمال العسكرية، واستكمال مراحل وقف إطلاق النار، وانسحابا إسرائيليا تدريجيا من القطاع وفق آليات وجدول زمني متفق عليه، إلى جانب ترتيبات خاصة بإدارة غزة خلال المرحلة الانتقالية، وإطلاق خطة دولية لإعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية، بما يمهد لمرحلة أكثر استقرارا إذا ما نجحت الأطراف في تنفيذ التزاماتها.

ولا تزال تحديات التنفيذ قائمة، يبقى نجاح الاتفاق مرهونا باستمرار جهود الوسطاء، وفي مقدمتهم مصر، التي رسخت مكانتها باعتبارها الضامن الأبرز لأي مسار يهدف إلى تثبيت التهدئة، ومنع تجدد التصعيد، وتهيئة الأجواء أمام حلول سياسية أكثر استدامة للقضية الفلسطينية.



