في أعماق المحيط الهادئ، قبالة الساحل الغربي للإكوادور وبالقرب من جزر غالاباغوس، وجد العلماء مفتاحًا قديمًا لفهم واحدة من أكثر الظواهر المناخية تأثيرًا في العالم.
لم يكن المفتاح جهازًا متطورًا أو نموذجًا حاسوبيًا حديثًا، بل شعابًا مرجانية عمرها نحو ألف عام، احتفظت داخل بنيتها بسجل طبيعي للتغيرات المناخية التي شهدها الكوكب على مدار قرون.
ومن خلال تحليل عينات من هذه الشعاب، تمكن فريق من الباحثين من تتبع تطور ظاهرة النينيو، والوصول إلى نتيجة لافتة التقلبات المناخية المرتبطة بالظاهرة أصبحت أكثر حدة مقارنة بما كانت عليه قبل الثورة الصناعية، فيما شهدت العقود الأربعة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا.
مرجان عمره ألف عام يكشف القصة
تتكون الشعاب المرجانية ببطء، وتترك الظروف البيئية المحيطة بها بصماتها في هياكلها، وهو ما يجعلها بمثابة "أرشيف مناخي" طبيعي يمكن للعلماء قراءته بعد مئات أو حتى آلاف السنين.
واستفاد الباحثون من هذه الخاصية للعودة بالزمن إلى الألفية الماضية، ومقارنة سلوك ظاهرة النينيو خلال فترات مختلفة، ولا سيما الفترة الممتدة بين عامي 1000 و1850، أي قبل الثورة الصناعية، بما يحدث في العصر الحديث.
وأظهرت النتائج أن التقلبات المرتبطة بدورات النينيو والنينيا كانت أضعف بكثير خلال فترة ما قبل الثورة الصناعية، قبل أن تبدأ في الازدياد مع نهاية القرن التاسع عشر.
لكن المفاجأة الأكبر ظهرت خلال السنوات الأربعين الماضية، عندما سجلت الظاهرة تصاعدًا واضحًا في حدتها.
الاحتباس الحراري العامل الغائب عن المعادلة؟
لطالما اتفق العلماء على أن ظاهرة النينيو قادرة على تضخيم آثار تغير المناخ؛ فهي قد تدفع درجات الحرارة إلى مستويات أعلى، وتزيد من حدة موجات الجفاف والحر في مناطق، بينما تتسبب في هطول أمطار غزيرة وفيضانات في مناطق أخرى.
لكن السؤال الأكثر تعقيدًا ظل قائمًا: هل يؤدي الاحتباس الحراري نفسه إلى جعل النينيو أكثر قوة؟
الدراسة الجديدة تقدم دليلًا مهمًا في هذا الاتجاه فعندما قارن الباحثون التغيرات التي رصدها المرجان بنماذج مناخية تحاكي الظروف التي كانت سائدة قبل الثورة الصناعية، وجدوا أن الزيادة المسجلة في حدة التقلبات المناخية تتجاوز ما يمكن تفسيره بالعوامل الطبيعية وحدها.
وتقول جوليا كول، الأستاذة في جامعة ميشيغان والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن هذا التعزيز "يسير جنبًا إلى جنب مع ظاهرة الاحتباس الحراري"، ما يرجح ارتباطه بارتفاع حرارة الكوكب الناجم عن استخدام الإنسان للوقود الأحفوري.
النينيو والنينيا دورة مناخية تقلب العالم
لا تعمل النينيو بمفردها، وإنما تشكل مع ظاهرة "لا نينيا" جزءًا من دورة مناخية تعرف باسم التذبذب الجنوبي للنينيو (ENSO).
وتتسم النينيو بارتفاع غير معتاد في درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي، بينما تمثل لا نينيا مرحلة أكثر برودة، وتؤدي كلتا الظاهرتين إلى تغييرات واسعة في أنماط الطقس حول العالم.
وبحسب الدراسة، أصبحت تقلبات ENSO في شرق المحيط الهادئ الاستوائي أعلى بنحو 36% مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية.
إلا أن الباحثين يحذرون من قراءة الرقم بصورة مبسطة؛ فهو لا يعني أن النينيو أصبحت أقوى بنسبة 36% تحديدًا، لأن القياس يشمل الدورة كاملة، بما فيها مرحلة التبريد المعروفة باسم لا نينيا.
أربعون عامًا صنعت الفارق
تكشف السجلات المناخية المستخرجة من المرجان أن التحول لم يكن مفاجئًا، بل جاء ضمن مسار طويل بدأ بالظهور في أواخر القرن التاسع عشر.
غير أن وتيرة التغير تسارعت بصورة لافتة خلال العقود الأربعة الأخيرة، بالتزامن مع الارتفاع المتواصل في متوسط درجات حرارة الأرض.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تساعد على سد فجوة مهمة في فهم العلاقة بين الاحترار العالمي وظاهرة النينيو، حتى مع عدم تقديم الدراسة حتى الآن تفسير فيزيائي نهائي للآلية التي تقف وراء هذا التغير.
هل يدفع النينيو 2027 إلى عام قياسي في الحرارة؟
تكتسب النتائج أهمية أكبر مع التوقعات المتعلقة بالعامين 2026 و2027.
فمن المتوقع أن تصل ظاهرة النينيو إلى ذروتها قرب نهاية عام 2026، وسط تقديرات بأنها قد تكون من أقوى حالات الظاهرة المسجلة، وهو ما قد يضيف مزيدًا من الضغوط على المناخ العالمي ويمهد لاحتمال أن يصبح عام 2027 عامًا قياسيًا في درجات الحرارة.
وقد بدأت تداعيات الظاهرة تظهر في مناطق مختلفة من العالم؛ ففي أمريكا الوسطى تتفاقم مشكلات الجفاف، بينما تواجه إندونيسيا ظروفًا مواتية لانتشار حرائق غابات مدمرة.
وبذلك، لا تبدو النينيو مجرد ظاهرة دورية تعبر المحيط ثم تنحسر، بل عاملًا يمكن أن يضاعف آثار الاحترار العالمي ويجعل تداعياته أكثر حدة.
ومع استمرار ارتفاع حرارة الكوكب، يواجه العلماء تحديًا جديدًا فهم كيف يمكن أن تتغير هذه الدورة المناخية القديمة في عالم لم يعد يشبه المناخ الذي عرفته خلال القرون السابقة.





