لطالما شهد القمر دوراته الطبيعية منذ مليارات السنين دون أن يلتفت إلى الأسماء التي يطلقها البشر عليه لكن في العقود الأخيرة، ظهرت تسميات لافتة مثل “القمر الأزرق” و“القمر الأسود”، وهي مصطلحات لم تنشأ في الأوساط العلمية التقليدية، بل ولدت في المساحة بين العلم والإعلام.
وساهمت العناوين المثيرة ومنصات التواصل الاجتماعي في تضخيم بعض الظواهر الفلكية وتسويقها كأحداث نادرة واستثنائية، رغم أنها في الواقع جزء من الدورة الطبيعية للقمر.
ما هو القمر الأسود من الناحية العلمية؟
لا يعد “القمر الأسود” مصطلح رسمي معترف به من الاتحاد الفلكي الدولي، بل هو توصيف إعلامي شائع الاستخدام في بعض المواقع التثقيفية والمواد الصحفية.
ووفقاً لموقع Time and Date، هناك تعريفان متداولان لهذا المصطلح.
التعريف الأول قمران جديدان في شهر واحد
التعريف الأكثر انتشاراً يصف القمر الأسود بأنه ثاني قمر جديد يحدث في شهر ميلادي واحد.
وبما أن الدورة القمرية تستغرق نحو 29.5 يوماً، فإن حدوث قمرين جديدين في شهر واحد يتكرر تقريباً كل 29 شهراً.
التعريف الثاني محاق ثالث في فصل فلكي واحد أما التعريف الآخر فيرتبط بالفصول، إذ يطلق المصطلح على القمر الجديد الثالث في فصل يحتوي على أربعة محاقات جديدة بدلاً من ثلاثة، وهي حالة أقل شيوعاً وتحدث كل نحو 33 شهراً.
وفي كلتا الحالتين، يكون القمر في طور “المحاق”، حيث يواجه القمر الشمس ويكون جانبه المظلم موجهاً نحو الأرض، ما يجعله غير مرئي تقريباً بالعين المجردة أو التلسكوبات الصغيرة.
لماذا يوصف القمر الأسود بالظاهرة النادرة؟
لا تعود ندرة القمر الأسود إلى تغير فيزيائي في القمر نفسه، بل إلى طريقة تنظيم التقويم البشري فالسنة القمرية لا تتطابق تماماً مع السنة الشمسية، ما يؤدي أحياناً إلى فائض في عدد الأطوار داخل الشهر أو الفصل الواحد.
ويؤكد الفلكيون أن القمر الأسود لا يحمل أي تأثيرات خاصة على الأرض أو الإنسان، خلافاً لما تروج له بعض المنصات ذات الطابع التنجيمي أو الغيبي.
القمر الأزرق أصل التسمية الإعلامية
لفهم مصطلح القمر الأسود، لا بد من العودة إلى “القمر الأزرق”، الذي يعود أصله إلى الثقافة الغربية حيث استخدم تعبير “مرة كل قمر أزرق” للدلالة على الندرة.
أما المعنى الفلكي الحديث للقمر الأزرق (ظهور بدرين في شهر واحد)، فيعود إلى خطأ تحريري نشر عام 1986 في مجلة Sky & Telescope ورغم كونه خطأ في تفسير تقويم فلكي قديم، انتشر المصطلح بسرعة وتبنته وسائل الإعلام، ثم أصبح جزءاً من الثقافة الشعبية الفلكية.
ومن هذا القياس نشأ مصطلح القمر الأسود، باعتباره القمر الجديد الثاني في الشهر نفسه.
القمر الأسود في أغسطس 2027 وتواريخ المحاق
في أغسطس 2027، يسجل التقويم الفلكي حدثاً يوصف إعلامياً بالقمر الأسود، حيث يحدث محاقان في الشهر نفسه الأول في 2 أغسطس، والثاني في 31 أغسطس.
كما شهد عام 2025 حدثاً مشابهاً في 23 أغسطس، لكن وفق تعريف موسمي مختلف، حيث كان المحاق الثالث في فصل يحتوي على أربعة محاقات جديدة.
ورغم التسمية المثيرة، فإن التأثير الوحيد الملحوظ هو زيادة ظلمة السماء في ليالي المحاق، ما يجعلها فرصة مثالية لرصد الأجرام السماوية الخافتة مثل المجرات والسدم.
بين العلم والإعلام لماذا تنتشر هذه المصطلحات؟
يرى فلكيون وكتاب علميون في مواقع متخصصة مثل Space.com أن هذه التسميات تلعب دوراً مزدوجاً؛ فهي تبسط مفاهيم الفلك وتقربها من الجمهور، لكنها في الوقت نفسه قد تخلق التباساً بين الحقائق العلمية والتهويل الإعلامي.
ويؤكد علماء في وكالة ناسا أن استخدام هذه المصطلحات ليس مشكلة، ما دام يتم تقديمها في سياقها الصحيح دون إضفاء دلالات غامضة أو غير علمية عليها.





