قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

حلوى تتوارثها العصور.. الكنافة من موائد الخلفاء إلى قلوب المصريين

الكنافة
الكنافة

تتربع الكنافة على عرش حلويات شهر رمضان، بوصفها أيقونة لا تغيب عن المائدة العربية، وطبقاً يجمع بين عبق التاريخ ودفء الطقوس الرمضانية.

فمن قصور الخلفاء إلى بيوت البسطاء، قطعت هذه الحلوى الذهبية رحلة طويلة عبر القرون، لتتحول من “زخرفة موائد الملوك” إلى متعة شعبية يتشاركها الجميع.

الكنافة حضور ثابت في الشهر الفضيل

تمثل الكنافة جزءاً أصيلاً من تجربة رمضان، إذ ارتبطت بطقوس السحور والإفطار، واكتسبت مكانة خاصة في الوجدان الشعبي.

وفي مصر، أضفى صناع الحلوى لمستهم الإبداعية عليها، فظهرت بأشكال متعددة مثل الكنافة البلدي، والبورمة، والمحشوة بالكريمة أو القشطة، إلى جانب ابتكارات حديثة عززت من حضورها في الأسواق.

تتميز الكنافة بقوامها الهش ومذاقها الحلو الغني، ما جعلها واحدة من أشهر الحلويات في العالم العربي، بل وأحد رموز الشهر الكريم.

أصل التسمية بين “الشعر المنسوج” و”الاحتواء”

تعددت الروايات حول أصل تسمية الكنافة ويرجح البعض أن الاسم مشتق من اللفظ العربي “كُنافة”، في إشارة إلى خيوط الشعر المنسوج، وهو وصف يتناغم مع شكل عجينتها الرقيق المتشابك فالعجينة تُشد وتُنسج بطريقة تشبه خصلات الشعر، سواء في طريقة إعدادها أو في مظهرها بعد التسوية.

وتقول روايات أن الكلمة تعود إلى “كنفة” بمعنى الاحتواء، في إشارة إلى احتوائها للحشو بين طبقاتها الرقيقة.

من دمشق إلى موائد الخلفاء

تذهب روايات تاريخية عديدة إلى أن الكنافة ظهرت في عهد معاوية بن أبي سفيان خلال العصر الأموي، وأنها صُنعت خصيصاً له عندما كان والياً على الشام. 

وتقول الرواية إن معاوية كان يعاني من الجوع الشديد أثناء الصيام، فاستشار طبيبه الذي نصحه بطبق يمنحه طاقة تدوم طوال النهار، فكانت الكنافة حلاً مثالياً للسحور.

وبحسب ما ذكره المؤرخ جلال الدين السيوطي في كتابه “منهل اللطائف في الكنافة والقطايف”، فإن هذه الحلوى كانت معروفة ومحبوبة في العصور الإسلامية، وروى عن ابن فضل الله العمري أن معاوية كان أول من اتخذها طعاماً للسحور، حتى عُرفت أحياناً باسم “كنافة معاوية”.

كما تروى حكاية طريفة عن طباخ في قصر الخلافة، سقطت مغرفته المملوءة بعجين سائل على هيئة خيوط رفيعة فوق الموقد، فأعجبته الفكرة، فحمرها بالسمن وسكب عليها العسل، لتولد واحدة من أشهر حلويات التاريخ.

رواية مصرية استقبال المعز بالكنافة

في المقابل، تشير روايات أخرى إلى أن المصريين عرفوا الكنافة في العصر الفاطمي، وتحديداً عند دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة خلال شهر رمضان.

استقبلوه أهل المدينة بعد الإفطار بالهدايا، وكانت الكنافة في مقدمتها، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى بلاد الشام عبر التجار.

ورغم تشكيك بعض المؤرخين في هذه الرواية، فإن المؤكد أن الكنافة ترسخت في مصر خلال العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية، حتى أصبحت طقساً شعبياً جامعاً.

بين الشام ونابلس ومكة تنوع بطعم واحد

تختلف طرق إعداد الكنافة من بلد إلى آخر، بما يعكس تنوع الذائقة العربية ففي بلاد الشام، تشتهر الكنافة المحشوة بالقشطة، إلى جانب أصناف مثل المبرومة والبللورية والعثمنلية والمفروكة.

أما في مكة المكرمة، فيُفضل حشوها بالجبن غير المملح، بينما أبدع أهل نابلس في تقديم نسختهم الخاصة، التي ذاع صيتها باسم “الكنافة النابلسية”، وأصبحت علامة مميزة للمطبخ الفلسطيني.

من قصور الأمراء إلى موائد الجميع

في عام 2024، أشار تقرير صادر عن متحف قصر المنيل إلى أن الكنافة تعد من أعرق الحلويات الشرقية، وربما يعود تاريخها إلى العصر الأموي أو ما قبله، مؤكداً أنها صُنعت في بداياتها لتُقدم إلى الملوك والأمراء، قبل أن تتحول إلى طبق شعبي حاضر في كل بيت.

ورغم تضارب الروايات حول نشأتها الأولى، يبقى الاتفاق قائماً على مكانتها الخاصة في الثقافة العربية فالكنافة لم تعد مجرد حلوى، بل صارت طقساً اجتماعياً وذاكرة جماعية، تتجدد كل عام مع هلال رمضان، لتؤكد أن بعض النكهات لا يبهت بريقها مهما تعاقبت العصور.