تواجه أسواق الغذاء العالمية ضغوطًا متزايدة نتيجة تداخل عدد من العوامل الاقتصادية والمناخية والجيوسياسية، في وقت أصبح فيه تأمين الإمدادات الغذائية يمثل تحديًا استراتيجيًا للعديد من الدول.
وبينما تتجه بعض الحكومات إلى زيادة مخزوناتها تحسبًا للأزمات والحروب، تتأثر الكميات المتاحة للتداول في الأسواق، بما قد ينعكس على الأسعار وقدرة المستهلكين على الحصول على احتياجاتهم.
وفي المقابل، يفرض تغير المناخ تحديات جديدة على الإنتاج الزراعي، مع تغير النطاقات الملائمة للزراعة وتراجع إنتاجية بعض المحاصيل. هذه التطورات تفتح الباب أمام ضرورة إعادة النظر في سياسات الإنتاج والتخزين وإدارة الموارد الغذائية عالميًا.
الوقود الحيوي يضغط على إمدادات الغذاء
وقال الدكتور صفي الدين متولي، استشاري التنمية المستدامة، إن التوسع في استخدام الزيوت والحبوب النباتية في إنتاج الوقود الحيوي أصبح أحد العوامل المؤثرة في حركة أسواق الغذاء العالمية.
وأوضح أن ارتفاع الطلب على هذه المنتجات، إلى جانب صعود أسعارها، أسهم في جذب رؤوس أموال جديدة للاستثمار في هذا القطاع، وهو ما قد ينعكس على حجم الإمدادات المتاحة للاستخدام الغذائي.
وأشار إلى أن توجيه جزء من الزيوت والحبوب إلى إنتاج الوقود الحيوي يضيف ضغطًا إلى الأسواق، خاصة في ظل وجود عوامل أخرى تؤثر في مستويات الإنتاج والمعروض من السلع الزراعية.
تغير المناخ يهدد إنتاجية المحاصيل
وخلال مداخلة عبر برنامج «المراقب»، الذي يقدمه الإعلامي أحمد بشتو على شاشة «القاهرة الإخبارية»، أوضح متولي أن التغيرات المناخية تلعب دورًا متزايدًا في إعادة تشكيل خريطة الإنتاج الزراعي حول العالم.

وأشار إلى أن تغير الظروف المناخية وتبدل النطاقات الزراعية في عدد من المناطق أسهما في تراجع إنتاجية بعض المحاصيل، وظهور نسب من النقص في منتجات زراعية معينة.
وأكد أن استمرار هذه التأثيرات يمثل تحديًا مباشرًا أمام تحقيق الأمن الغذائي، خاصة مع إمكانية انعكاس انخفاض الإنتاج على مستويات الأسعار في الأسواق العالمية.
دراسات وسيناريوهات لمواجهة تداعيات المناخ
وشدد استشاري التنمية المستدامة على أهمية إعداد دراسات متخصصة ودقيقة لرصد تأثيرات التغير المناخي على مختلف المحاصيل الزراعية.

وأوضح أن هذه الدراسات يجب أن تتضمن سيناريوهات مستقبلية تساعد على توقع التغيرات المحتملة في الإنتاج الزراعي، بما يسمح للدول بالاستعداد المبكر لأي أزمات مرتبطة بنقص المحاصيل.
وأكد أن التخطيط المسبق أصبح ضرورة في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها القطاع الزراعي، خاصة أن التعامل مع تداعيات المناخ يحتاج إلى قرارات تستند إلى بيانات وتوقعات علمية.
التخزين الاستراتيجي.. ضرورة أم ضغط على الأسواق؟
وفي الوقت نفسه، دعا متولي إلى تعزيز التخزين الاستراتيجي للغذاء والاستفادة من تقنيات التخزين الحديثة، باعتبارها إحدى الأدوات المهمة في مواجهة الأزمات المحتملة وتأمين الاحتياجات الأساسية.
وأشار إلى أن زيادة معدلات تخزين الغذاء على المستوى العالمي يمكن أن تؤدي، في بعض الظروف، إلى تقليص حجم المواد الغذائية المعروضة في الأسواق.

وأوضح أن الدول التي تواجه مخاطر اندلاع حروب أو أزمات جيوسياسية قد تتجه إلى زيادة مخزوناتها الغذائية تحسبًا لأي اضطرابات مستقبلية، وهو ما قد يؤدي إلى سحب كميات من السلع من الأسواق وتقليل المعروض المتاح للتداول.
معادلة صعبة بين تأمين المخزون وتوفير المعروض
وتكشف هذه المعطيات عن معادلة معقدة تواجه صانعي القرار حول العالم؛ فمن ناحية، يمثل التخزين الاستراتيجي وسيلة مهمة لحماية الدول من نقص الغذاء في أوقات الأزمات، ومن ناحية أخرى، فإن التوسع الكبير في تخزين السلع قد يقلص الكميات المطروحة في الأسواق.
ومع استمرار تأثيرات تغير المناخ والتوسع في استخدام بعض المحاصيل لإنتاج الوقود الحيوي، تصبح الحاجة أكبر إلى سياسات متوازنة تضمن تأمين المخزونات الاستراتيجية دون التأثير بصورة حادة على المعروض الغذائي.
الأمن الغذائي أمام تحديات متشابكة
وتشير رؤية استشاري التنمية المستدامة إلى أن أزمة الغذاء العالمية لم تعد مرتبطة بعامل واحد، وإنما أصبحت نتيجة لتشابك عدة عوامل، من بينها تغير المناخ، وتراجع إنتاجية بعض المحاصيل، وزيادة الطلب على المنتجات الزراعية المستخدمة في إنتاج الوقود الحيوي، إلى جانب اتجاه بعض الدول لرفع مستويات مخزوناتها الاستراتيجية.



