في الوقت الذي تستمر فيه المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، يثير قرار واشنطن السماح للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي بالمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تساؤلات بشأن الحسابات القانونية والدبلوماسية الأمريكية.
وهل يعكس السماح بدخول القيادة الإيرانية إلى الأراضي الأمريكية رغبة واشنطن في الإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، رغم استمرار الضربات؟، وهل يمكن أن تتحول اجتماعات الجمعية العامة إلى مساحة لاتصالات مباشرة أو غير مباشرة بين الجانبين؟
في هذا الحوار، تتناول إيرينا تسوكرمان المتخصصة في شؤون الأمن القومي الأمريكي والمحامية المعروفة، الالتزامات القانونية التي تفرضها اتفاقية مقر الأمم المتحدة على الولايات المتحدة، وأبعاد السماح للوفد الإيراني بالحضور في الوقت الذي مُنع فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس من دخول الأراضي الأمريكية للمشاركة شخصيًا في اجتماعات الجمعية العامة.
كما يتطرق الحوار إلى احتمالات استغلال طهران وجود قيادتها في نيويورك لإيصال رسائل إلى واشنطن وحلفائها، والسيناريوهات المحتملة إذا وقعت ضربات أمريكية جديدة أثناء وجود بزشكيان وعراقجي في الولايات المتحدة، إضافة إلى الفروق بين وضع الوفد الإيراني في الأمم المتحدة والقيود التي شهدها حضور الإيرانيين خلال كأس العالم 2026.
كيف تفسرين القرار الأمريكي بالسماح للرئيس الإيراني ووزير خارجيته بالسفر إلى نيويورك والمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، رغم استمرار المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران؟، وهل هناك تناقض في القرار أم أن هناك اعتبارات قانونية ودبلوماسية تفسره؟
الولايات المتحدة لديها التزامات قانونية باعتبارها الدولة المضيفة للأمم المتحدة، فاتفاقية المقر المبرمة عام 1947، تلزم واشنطن بتوفير إمكانية الوصول إلى نيويورك للممثلين المشاركين في أعمال الأمم المتحدة، وقد استندت وزارة الخارجية الأمريكية إلى هذه الالتزامات عند الموافقة على منح تأشيرات للرئيس مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وعدد من الأعضاء الأساسيين في الوفد الإيراني.
لكن هذا لا يعني أن واشنطن فقدت قدرتها على فرض قيود على الزيارة. فهي تستطيع تقييد تحركات الوفد، وتحديد حجمه، وفرض شروط أمنية، وقصر أنشطته إلى حد كبير على المشاركة في أعمال الأمم المتحدة.
المشكلة أن ترامب جعل هذا الالتزام القانوني البسيط نسبيًا أكثر تعقيدًا من الناحية السياسية، فإدارته تخوض حربًا مع إيران، وتهدد بمزيد من العمل العسكري، وتطالب طهران بتنازلات كبيرة، وتحذر من عواقب قد تطال القيادة الإيرانية، وفي الوقت نفسه يترك ترامب الباب مفتوحًا علنًا أمام إمكانية عقد لقاء مع بزشكيان.
حتى الآن، لم تحدد واشنطن بصورة واضحة ما الذي سيحققه النجاح العسكري سياسيًا، وما التنازلات الإيرانية التي يمكن أن تؤدي إلى وقف الهجمات الأمريكية، وما الذي ستقدمه الولايات المتحدة في المقابل، أو كيف ينبغي لدول الخليج أن تتعامل مع هذه الإشارات المتغيرة، وهنا تستطيع إيران استغلال حالة عدم اليقين، فطهران يمكنها مواصلة القتال، ورفع الكلفة الاقتصادية من خلال مضيق هرمز، ودعم الضغوط عبر شركائها الإقليميين، وفي الوقت نفسه اختبار ما إذا كان ترامب سيخفف مطالبه مقابل عقد لقاء أو إصدار إعلان يمكن تقديمه باعتباره تقدمًا دبلوماسيًا.
وكل تغيير مفاجئ في خطاب ترامب يعطي صناع القرار الإيرانيين سببًا إضافيًا للانتظار لمعرفة الخطوة التالية، بدلًا من التعامل مع المطالب الأمريكية الحالية باعتبارها سياسة ثابتة ونهائية، كما فرضت السياسة الأمريكية تكاليف كبيرة على الشركاء الخليجيين، من دون أن تمنحهم تصورًا سياسيًا واضحًا يمكن التنبؤ به، فالسعودية ودول الخليج تواجه صواريخ وطائرات مسيرة، واضطرابات في حركة الملاحة، وعدم استقرار في أسواق الطاقة، وتصعيدًا من جانب الحوثيين.
وتحتاج هذه الحكومات إلى معرفة ما الذي تتوقعه واشنطن من إيران، وماذا سيحدث بعد تنفيذ طهران لما تطلبه الولايات المتحدة، لذلك فإن الجمع بين التهديدات بشن هجمات جديدة، وترك الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية الشخصية، يجعل الحكومات الخليجية تستعد لعدة احتمالات متعارضة في الوقت نفسه.
هل يمكن أن يعني السماح للقيادة الإيرانية بحضور اجتماعات الجمعية العامة أن واشنطن تريد الإبقاء على قناة اتصال مفتوحة مع طهران رغم استمرار الضربات؟ وهل يمكن أن تكون نيويورك ساحة لاتصالات غير مباشرة بين الجانبين؟
ترامب ترك علنًا احتمال عقد لقاء مع بزشكيان مفتوحًا، كما أن واشنطن وطهران حافظتا بالفعل على اتصالات متقطعة بهدف إنهاء الحرب، وقد توفر نيويورك فرصة مهمة لهذا النوع من الاتصالات؛ إذ تتيح للحكومتين الوصول إلى سلطنة عمان وقطر والسعودية وتركيا والحكومات الأوروبية ومسؤولي الأمم المتحدة، وجميعهم يستطيعون نقل الرسائل بين الطرفين خلال فترة قصيرة، كما يستطيع عراقجي عقد لقاءات مع عدد كبير من المسؤولين والدبلوماسيين، من دون أن تعلن واشنطن وطهران رسميًا عن وجود مسار تفاوضي مباشر.
لكن الإدارة الأمريكية أضعفت موقفها التفاوضي بنفسها، بسبب حالة عدم اليقين التي تركتها بشأن المطالب التي تعتبرها شروطًا ثابتة، فترامب ينتقل بين التهديد باستخدام قوة عسكرية كبيرة، وبين طرح إمكانية الانخراط شخصيًا في الدبلوماسية، وبإمكان المسؤولين الإيرانيين استغلال ذلك لاختبار المدى الذي ستواصل فيه واشنطن ممارسة الضغط قبل أن يبحث ترامب عن صفقة، كما يمكنهم استخدام الوسطاء لمعرفة ما إذا كان البيت الأبيض سيخفض مطالبه عندما تصبح المفاوضات جذابة سياسيًا.
أما عقد لقاء مباشر بين ترامب وبزشكيان، فقد يحمل مخاطر إضافية إذا تم قبل الاتفاق على شروط موضوعية للتفاوض، فهناك ملفات رئيسية مثل: البرنامج النووي الإيراني، ومضيق هرمز، والعقوبات، وصادرات النفط، والهجمات على المصالح الأمريكية، وعمليات الحوثيين، وشروط إنهاء الضربات الأمريكية، وهذه الملفات لا يمكن حلها بمجرد التفاهم الشخصي بين الرئيسين.
وسيصل المفاوضون الإيرانيون إلى أي لقاء وهم يدركون أن ترامب يريد نتيجة دبلوماسية واضحة ومرئية، في وقت تستمر فيه التكاليف الاقتصادية والعسكرية للصراع في الارتفاع. وهذه المعادلة تمنح طهران ورقة يمكن استخدامها على طاولة المفاوضات، ولهذا قد تكون اتصالات عراقجي أكثر أهمية من أي لقاء رئاسي، فالدبلوماسيون يستطيعون تحديد ما إذا كانت الحكومتان تتفقان أصلًا على الموضوعات التي يمكن التفاوض بشأنها، وما التنازلات المحتملة من كل طرف، وما الذي يتوقعه كل طرف في المقابل، وإعلان ترامب استعداده للقاء بزشكيان قبل حسم هذه الملفات قد يعطي طهران معلومات مهمة عن مدى رغبة الرئيس الأمريكي في الدبلوماسية، قبل أن تقدم واشنطن أي شيء في المقابل.
كيف تنظربن إلى السماح للوفد الإيراني بالمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، في الوقت الذي مُنع فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومسؤولون فلسطينيون آخرون من الحضور؟ وهل يعكس ذلك اختلافًا في النهج الأمريكي تجاه إيران والفلسطينيين؟
هذا القرار وضع واشنطن أمام صورة سياسية معقدة، فبزشكيان وعراقجي يستطيعان دخول نيويورك بينما تظل إيران منخرطة في مواجهة مسلحة نشطة مع الولايات المتحدة، في حين لا يستطيع محمود عباس الحضور شخصيًا للعام الثاني على التوالي، وقد بررت الإدارة الأمريكية سياستها المتعلقة بالتأشيرات الفلسطينية بخلافات مرتبطة بالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، والإجراءات القانونية الدولية ضد إسرائيل، وسياسات فلسطينية أخرى.
أما بالنسبة إلى إيران، فتتعامل واشنطن مع دخول الوفد في إطار التزاماتها بصفتها الدولة المضيفة للأمم المتحدة، وهي دولة عضو كاملة العضوية في المنظمة الدولية، لكن الحكومات العربية لن تنظر فقط إلى المبررات القانونية، وإنما ستنظر أيضًا إلى النتائج السياسية للقرار، فهذه الحكومات ترى واشنطن تسمح للقيادة الإيرانية بدخول نيويورك رغم الحرب، بينما تمنع عباس من الحضور شخصيًا، رغم أن السلطة الفلسطينية لديها علاقات دبلوماسية مع الحكومات الغربية وتنسيق أمني مع إسرائيل.
ويمكن لطهران استغلال هذا التفاوت في رسائلها إلى الرأي العام العربي والإسلامي، كما أن إدارة ترامب جعلت قضية التأشيرة الفلسطينية أكثر حساسية سياسيًا من خلال تحويل الوصول إلى الأمم المتحدة إلى أداة من أدوات الضغط السياسي.
وبإمكان الإدارة الأمريكية فرض عقوبات على مسؤولين فلسطينيين، أو تقييد التواصل الثنائي، أو تحدي المبادرات الفلسطينية عبر القنوات الدبلوماسية، لكن منع عباس من المشاركة شخصيًا في الجمعية العامة ينقل الخلاف إلى داخل الأمم المتحدة نفسها، ويمنح المسؤولين الفلسطينيين حجة تتعلق بطريقة تعامل واشنطن معهم.
وتستفيد إيران من هذا المشهد سياسيًا؛ إذ يستطيع المسؤولون الإيرانيون تقديم أنفسهم أمام الجماهير العربية والإسلامية باعتبارهم قادرين على المشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة حتى أثناء الحرب، بينما يظهر عباس عن بُعد بسبب رفض واشنطن السماح له بدخول الأراضي الأمريكية، ولا تحتاج طهران إلى أن تكون الحالتان متطابقتين من الناحية القانونية، ما تحتاجه هو صورة يمكن استخدامها للتأكيد على أن السياسة الأمريكية تتعامل مع الأطراف المختلفة وفقًا لأولوياتها السياسية.
كما أن القرار يزيد من تعقيد علاقة واشنطن بالحكومات العربية، التي تحتاج الولايات المتحدة إلى تعاونها في مواجهة إيران والحوثيين، فهذه الحكومات لديها بالفعل مخاوف بشأن التصعيد الإقليمي، ومنشآت الطاقة، وحركة الملاحة، والالتزامات الأمنية الأمريكية، وبالتالي فإن منح إيران حجة سياسية جديدة بشأن القضية الفلسطينية يضيف مصدرًا آخر للاحتكاك في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى التعاون الإقليمي.
إذا تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، أو وقعت ضربات أمريكية جديدة أثناء وجود بزشكيان وعراقجي في نيويورك، كيف يمكن أن تتعامل واشنطن مع وجود مسؤولين إيرانيين كبار على الأراضي الأمريكية؟
ستضع السلطات الأمريكية الوفد الإيراني على الأرجح تحت إجراءات أمنية مشددة للغاية، وسيتعين على جهاز الأمن الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، وأجهزة إنفاذ القانون الفيدرالية، وأجهزة الاستخبارات، وسلطات نيويورك، حماية بزشكيان وعراقجي، مع فرض رقابة دقيقة على تحركاتهما، فأي هجوم يستهدفهما داخل الولايات المتحدة يمكن أن يؤدي إلى أزمة دولية فورية، وربما يدفع إيران إلى الرد، بغض النظر عن الجهة التي تقف وراء الهجوم، كما أن تهديدات ترامب ضد القيادة الإيرانية تجعل الموقف أكثر حساسية.
فعندما يتحدث الرئيس الأمريكي علنًا عن استهداف قيادة دولة خصم، بينما يستعد رئيس هذه الدولة للسفر إلى نيويورك، يتعين على الأجهزة الأمنية أن تضع في حساباتها الطريقة التي قد تفسر بها طهران، أو الجهات الخاصة، أو أجهزة الاستخبارات الأجنبية، أو المتظاهرون، أو حتى الحلفاء الأمريكيون، هذه التصريحات.
وفي ظل حرب نشطة، يمكن أن تؤثر التصريحات الرئاسية في الحسابات العسكرية والأمنية، أما إذا شنت الولايات المتحدة ضربات جديدة أثناء وجود بزشكيان في نيويورك، فستجد واشنطن نفسها في موقف غير معتاد: فهي تحمي الرئيس الإيراني الموجود في مانهاتن، بينما تنفذ قواتها هجمات ضد بلاده، وفي الوقت نفسه، يستطيع بزشكيان وعراقجي تلقي تعليمات مباشرة من طهران، والاجتماع مع الوسطاء، ونقل الردود الإيرانية عبر شبكة الاتصالات الدبلوماسية الموجودة حول اجتماعات الجمعية العامة.
كما تستطيع إيران استغلال وجود قيادتها في نيويورك للتأثير في رد الفعل الدولي على أي ضربات أمريكية جديدة، فقد يجري بزشكيان اتصالات مع قادة أجانب، بينما ينخرط عراقجي في دبلوماسية مكثفة، ويقدم المسؤولون الإيرانيون أنفسهم باعتبارهم طرفًا منخرطًا في الدبلوماسية في الوقت الذي تصعد فيه واشنطن عسكريًا، وفي هذه الحالة، سيحتاج ترامب إلى تفسير الهدف من الضربات الجديدة، وكذلك الشروط التي تظل الولايات المتحدة مستعدة في ظلها للتفاوض.
ومن المرجح أن يكون لدى واشنطن أيضًا مصلحة قوية في ضمان مغادرة الوفد الإيراني الأراضي الأمريكية بأمان بعد انتهاء أعماله في الأمم المتحدة، مع تنسيق إجراءات النقل والحماية لمنع الحرب من التسبب في حادث يتعلق بالوفد الإيراني داخل الولايات المتحدة.
شهدنا قيودًا وتعقيدات في التأشيرات شملت أعضاء في الوفد الإيراني خلال كأس العالم 2026، هل تتوقعين أن يكون التعامل الأمريكي مع الوفد السياسي والدبلوماسي الإيراني مختلفًا؟، وهل يمكن فرض قيود مماثلة؟
مشاركة بزشكيان وعراقجي في اجتماعات الأمم المتحدة تمنحهما غرضًا دبلوماسيًا محددًا لدخول الولايات المتحدة، كما تفعّل التزامات واشنطن باعتبارها الدولة المضيفة للأمم المتحدة، ولهذا سمحت الإدارة الأمريكية بدخول الوفد الإيراني الأساسي، مع الحد من حجمه وفرض قيود على الحركة والشراء، وتمنح هذه الشروط واشنطن قدرًا كبيرًا من السيطرة على الزيارة، أما كأس العالم، فهو يخضع لإطار قانوني مختلف، لأن المشاركة الرياضية لا تستند إلى اتفاقية مقر الأمم المتحدة، ولذلك تتمتع واشنطن بحرية أكبر في التعامل مع الرياضيين الإيرانيين والمسؤولين وأفراد الدعم وغيرهم من المرتبطين بالبطولة.
كما تكشف بعض القيود المفروضة على الوفد الإيراني في الأمم المتحدة عن تفضيل ترامب للإجراءات الرمزية الواضحة، ففرض قيود على التسوق الفاخر، على سبيل المثال، قد يحقق اهتمامًا إعلاميًا ويوجه رسالة سياسية إلى النخب الإيرانية، لكنه لا يمثل ضغطًا مباشرًا على الملفات الأساسية مثل: البرنامج النووي، ومضيق هرمز، والحوثيين، والهجمات على المصالح الأمريكية.
أدوات النفوذ الأمريكية الحقيقية في هذه الملفات تتمثل في القدرات العسكرية، والضغط المالي، والعقوبات، والتحالفات، والاستخبارات، وسياسة الطاقة، والشروط التفاوضية، وبالتالي فإن الإدارة قد تهدر جزءًا من الاهتمام السياسي في إجراءات يمكن لطهران السخرية منها بسهولة، بينما تظل القضايا الأساسية دون حل، فالمسؤولون الإيرانيون يهتمون بدرجة أكبر بالعقوبات، وعائدات النفط، والعمليات العسكرية، وأمن النظام، والوصول إلى القنوات المالية الدولية، أكثر من اهتمامهم بما إذا كان بإمكان أعضاء وفدهم شراء سلع استهلاكية باهظة الثمن في نيويورك.
أخيرًا، ما الذي يجب مراقبته خلال اجتماعات الجمعية العامة؟، خطاب بزشكيان، أم لقاءاته مع المسؤولين الغربيين، أم الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران؟ وما الذي يمكن أن تكشفه هذه المؤشرات عن اتجاه الصراع خلال الأسابيع المقبلة؟
يجب مراقبة لغة بزشكيان بشأن عدد من الملفات الأساسية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، والعقوبات، وعمليات التفتيش النووية، وصادرات النفط، وشروط إنهاء الأعمال العدائية، فهذه الملفات يمكن أن تكشف ما الذي تريد طهران من الحكومات الأجنبية نقله إلى واشنطن، كما أن جدول لقاءات عراقجي سيكون مهمًا؛ لأنه يمكن أن يكشف الحكومات التي تثق إيران في قدرتها على نقل مقترحات أكثر تفصيلًا.
والاجتماعات مع سلطنة عمان وقطر والسعودية وتركيا ووزراء الخارجية الأوروبيين وكبار مسؤولي الأمم المتحدة قد تتحول إلى قنوات عملية لنقل مقترحات لا تريد أي من الحكومتين الإعلان عنها بصورة مباشرة، وفي المقابل، يجب مراقبة لغة ترامب وإدارته، لأن واشنطن لا تزال بحاجة إلى تحديد شروط واضحة لإنهاء العمليات العسكرية، فالحديث العام عن ضرورة أن تعقد إيران صفقة لا يقدم لطهران معلومات كافيةـ أما المطالب المحددة المتعلقة بالتخصيب، وعمليات التفتيش، ومضيق هرمز، والهجمات الإقليمية، والعقوبات، وصادرات النفط، فستمنح المسؤولين الإيرانيين نقاطًا واضحة يمكن قبولها أو رفضها أو التفاوض بشأنها.
كما ستكون الدبلوماسية الخليجية مصدرًا مهمًا للمعلومات، فالسعودية ودول الخليج لديها تعرض مباشر للرد الإيراني، وهجمات الحوثيين، والاضطرابات في مضيق هرمز وباب المندب، والأضرار التي يمكن أن تلحق بالبنية التحتية، وارتفاع تكاليف الطاقة، ولذلك لدى قادة هذه الدول دوافع قوية للضغط على واشنطن من أجل توضيح الطريقة التي يعتزم بها ترامب إنهاء الصراع، والترتيبات الأمنية التي يمكن أن تتبع أي اتفاق.
ويمكن لتحركات عراقجي بعد خطاب بزشكيان أن تكشف ما إذا كانت التصريحات العلنية تترافق مع مفاوضات جادة، فعقد اجتماعات متعددة مع الوسيط نفسه، أو إجراء مشاورات مفاجئة بين وزراء الخارجية الخليجيين والأوروبيين، أو إدخال تغييرات غير متوقعة على جدول الأعمال، أو بقاء مسؤولين في نيويورك فترة أطول من المخطط لها، كلها يمكن أن تكون مؤشرات على وجود تبادل نشط للمقترحات.
كذلك يمكن أن يكشف السلوك العسكري الأمريكي والإيراني ما لا يستطيع الدبلوماسيون قوله علنًا، فطبيعة الأهداف العسكرية، أو التوقف في بعض العمليات، أو التغييرات في النشاط الإيراني حول مضيق هرمز، أو التغير في عمليات الحوثيين، أو طريقة التعامل مع البنية التحتية الخليجية، قد تقدم إشارات بشأن نوايا الأطراف خلال المفاوضات.
وفي النهاية، فإن طرح ترامب لاحتمال عقد لقاء رئاسي، قبل أن تظهر الإدارة أن المفاوضين توصلوا إلى شروط قابلة للتطبيق، خلق حالة إضافية من عدم اليقين، وأصبحت طهران تعرف أن ترامب لا يزال يترك الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية المباشرة رغم أشهر من الحرب.
ومن الممكن أن تدخل القيادة الإيرانية هذه المعلومة في حساباتها التفاوضية، من خلال استخدام الوسطاء لمعرفة مدى رغبة واشنطن في التوصل إلى اتفاق، واختبار ما إذا كان استمرار الضغط الاقتصادي والإقليمي سيدفع البيت الأبيض إلى تعديل مطالبه.









