لم يكن الخبر المتداول عن اقتراب رحيل بيب جوارديولا عن مانشستر سيتى مجرد نهاية رحلة مدرب ناجح داخل الدوري الإنجليزي الممتاز بل بدا وكأنه إعلان رسمي بانتهاء عصر كامل أعاد تشكيل شكل كرة القدم الحديثة داخل الملاعب الإنجليزية والأوروبية على مدار عقد كامل.
فبعد 10 سنوات قضاها داخل ملعب الاتحاد يستعد المدرب الإسباني لإسدال الستار على واحدة من أعظم التجارب الفنية في تاريخ اللعبة بعدما نجح في تحويل مانشستر سيتي من مشروع طموح يبحث عن المجد الأوروبي إلى إمبراطورية كروية فرضت هيمنتها محليًا وقاريًا واحتكرت البطولات والأرقام القياسية بصورة غير مسبوقة.
وبينما يترقب الجميع الإعلان الرسمي عن رحيله تتجه الأنظار نحو الإرث الهائل الذي سيتركه جوارديولا خلفه ليس فقط من حيث البطولات وإنما من حيث التأثير الفني والثقافي الذي غيّر وجه الكرة الإنجليزية بالكامل.
جوارديولا لم يصنع فريقًا.. بل غير هوية الكرة الإنجليزية
حين وصل جوارديولا إلى مانشستر سيتي في صيف 2016 كانت الكرة الإنجليزية لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على الإيقاع البدني واللعب المباشر والسرعة في التحولات لكن المدرب الكتالوني جاء بفلسفة مختلفة تمامًا تقوم على السيطرة الكاملة على الكرة والبناء من الخلف والضغط العكسي والاستحواذ بوصفه وسيلة للهجوم والدفاع في الوقت نفسه.
في البداية بدت أفكاره صادمة بالنسبة للكثيرين داخل البريميرليج خاصة بعد تعرضه لانتقادات قوية في موسمه الأول لكن ما حدث لاحقًا غيّر شكل الدوري الإنجليزي بالكامل.
فبمرور الوقت أصبحت معظم أندية إنجلترا تحاول تقليد أفكاره التكتيكية سواء في طريقة بناء اللعب أو الضغط الجماعي أو توظيف الحارس كلاعب إضافي حتى تحولت فلسفة جوارديولا إلى اللغة الرسمية للكرة الحديثة داخل إنجلترا.
ولم يعد تأثيره مقتصرًا على مانشستر سيتي فقط بل امتد إلى المنافسين أنفسهم الذين اضطروا لتطوير أدواتهم التكتيكية من أجل مجاراة النسخة الأكثر اكتمالًا وهيمنة في تاريخ البريميرليج الحديث.
بالأرقام.. عقد كامل من السيطرة المطلقة
لغة الأرقام تبدو كافية وحدها لفهم حجم الهيمنة التي فرضها جوارديولا مع مانشستر سيتي طوال السنوات العشر الماضية.
فالمدرب الإسباني قاد الفريق في 591 مباراة رسمية بمختلف البطولات نجح خلالها في تحقيق الفوز في 416 مباراة ليحقق واحدًا من أعلى معدلات الانتصار في تاريخ كرة القدم الأوروبية الحديثة بينما اكتفى بالتعادل في 86 مواجهة فقط مقابل 89 هزيمة طوال مسيرته مع النادي.
وتحوّل مانشستر سيتي تحت قيادته إلى ماكينة تهديفية لا تتوقف بعدما سجل لاعبوه 1421 هدفًا في مختلف البطولات بمعدل تهديفي مرعب عكس فلسفة المدرب القائمة على الاستحواذ الهجومي والسيطرة المطلقة على مجريات اللعب.
وفي المقابل لم يكن التفوق هجوميًا فقط بل ظهر التوازن الكبير في شخصية الفريق الدفاعية أيضًا بعدما استقبلت شباك السيتي 519 هدفًا فقط طوال تلك الفترة وهو ما يؤكد أن فلسفة جوارديولا لم تكن مجرد كرة هجومية ممتعة بل منظومة متكاملة تمنح الفريق السيطرة في كل تفاصيل المباراة.
20 بطولة صنعت العصر الذهبي الأكبر بتاريخ السيتي
لم تتوقف رحلة جوارديولا عند تقديم كرة قدم ممتعة فقط بل ارتبطت بكفاءة استثنائية في حصد البطولات والصعود المستمر إلى منصات التتويج.
فخلال عقد كامل نجح المدرب الإسباني في قيادة مانشستر سيتي للتتويج بـ20 لقبًا رسميًا ليصبح المدرب الأكثر نجاحًا في تاريخ النادي بلا منازع.
وكان الدوري الإنجليزي الممتاز البطولة الأقرب لجوارديولا بعدما قاد السيتي للفوز باللقب 6 مرات بينها مواسم شهدت تحطيم أرقام تاريخية في عدد النقاط والانتصارات والأهداف.
كما فرض سيطرته على البطولات المحلية الأخرى بعدما توج بـ5 ألقاب لكأس رابطة الأندية الإنجليزية إضافة إلى 3 بطولات لكأس الاتحاد الإنجليزي و3 ألقاب للدرع الخيرية.
لكن اللحظة الأهم في مشروعه التاريخي جاءت عندما نجح في قيادة مانشستر سيتي للفوز بلقب دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في تاريخه وهو الإنجاز الذي منح النادي اعترافًا عالميًا كاملاً بوصفه أحد كبار القارة الأوروبية.
ولم يكتف جوارديولا بذلك بل أضاف أيضًا لقبي السوبر الأوروبي وكأس العالم للأندية ليحوّل مانشستر سيتي من قوة محلية مهيمنة إلى مؤسسة كروية عالمية تنافس على كل شيء.
جوارديولا صنع النادي المرجعي في أوروبا
قبل وصول جوارديولا كان مانشستر سيتي يُنظر إليه باعتباره نادٍ يملك إمكانيات مالية ضخمة ومشروعًا طموحًا لكنه يفتقد الهوية الكروية الواضحة.
لكن بعد 10 سنوات فقط أصبح السيتي نموذجًا عالميًا يُحتذى به إداريًا وفنيًا وتسويقيًا وتحول إلى الوجهة الأكثر استقرارًا للنجوم والمدربين داخل أوروبا.
كما نجح جوارديولا في خلق شخصية واضحة للفريق بحيث بات الجميع يعرف شكل وأسلوب مانشستر سيتي حتى قبل انطلاق المباريات وهي النقطة التي عجزت عنها أندية كثيرة رغم إنفاقها الضخم.
والأهم أن المدرب الإسباني لم يصنع فريقًا ناجحًا لفترة قصيرة بل بنى منظومة كاملة قادرة على الاستمرار والمنافسة لسنوات طويلة.
ماريسكا أمام أصعب مهمة في أوروبا
التقارير التي ربطت الإيطالي إنزو ماريسكا بخلافة جوارديولا تضعه أمام تحدٍ يبدو شبه مستحيل.
فأي مدرب سيأتي بعد جوارديولا لن يُقارن بمن سبقه فقط بل سيُقارن بأعظم نسخة عرفها مانشستر سيتي في تاريخه.
والمعضلة الحقيقية لا تتعلق فقط بحصد البطولات بل بالحفاظ على الهوية الفنية والهيمنة النفسية التي فرضها السيتي على منافسيه طوال السنوات الماضية.
ولهذا ستكون مهمة ماريسكا إذا تمت رسميًا أكثر تعقيدًا من مجرد تدريب فريق بطل لأنه سيكون مطالبًا بالحفاظ على منظومة اعتادت الجماهير رؤيتها في القمة دائمًا.
ليلة الوداع.. نهاية عصر لن يتكرر بسهولة
إذا صحت التقارير الإنجليزية فإن مواجهة أستون فيلا المقبلة ستكون الأخيرة لجوارديولا مديرًا فنيًا لمانشستر سيتي وهي ليلة قد تحمل رمزية أكبر من مجرد ختام موسم كروي.
فالمدرب الإسباني سيدخل المباراة وهو على أعتاب أن يصبح أكثر مدرب قيادةً للمباريات في تاريخ النادي متجاوزًا الرقم التاريخي المسجل باسم ليس ماكدويل.
لكن الرقم الأهم ربما لن يكون عدد المباريات أو البطولات بل حقيقة أن جوارديولا سيغادر بعدما نجح في تحويل مانشستر سيتي من نادٍ يبحث عن الاعتراف الأوروبي إلى أحد أعظم الفرق التي لعبت كرة القدم في العصر الحديث.




