في عالم الذكاء الاصطناعي، لم يعد الحديث مقتصراً على أنظمة تكتب النصوص، أو تنتج الصور، أو تحلل البيانات فالتقنية بدأت تقترب من واحد من أكثر المجالات حساسية على الإطلاق الحمض النووي وتصميم الكائنات البيولوجية.
وهنا تظهر معادلة شديدة التعقيد؛ فالقدرة نفسها التي قد تساعد العلماء مستقبلاً على ابتكار أدوية مخصصة لكل مريض، أو تطوير علاجات جديدة للسرطان، يمكن أن تتحول – إذا أسيء استخدامها – إلى مصدر تهديد للأمن البيولوجي.
بحسب ما نشرته مجلة Forbes الأميركية، نقلا عن دورية Science،
يحذر خبراء من أن الذكاء الاصطناعي قد يفتح الباب أمام تصميم تسلسلات جينية جديدة قادرة على أداء وظائف بيولوجية مع تغيير بصمتها الجينية، بما قد يجعل بعض أنظمة الكشف الحالية أقل قدرة على التعرف إليها.
من «التزييف العميق» الرقمي إلى التزييف البيولوجي
عندما يسمع الناس مصطلح «التزييف العميق»، تتجه الأذهان عادة إلى مقاطع الفيديو والصور والأصوات التي يصعب تمييزها عن الحقيقة.
لكن هناك تصوراً آخر أكثر تعقيداً التزييف العميق البيولوجي فالمقصود هنا ليس فيروساً إلكترونياً يهاجم الهواتف أو أجهزة الكمبيوتر، وإنما كيان بيولوجي يمكن أن يحمل وظيفة فيروسية، بينما تبدو تسلسلاته الجينية مختلفة عن التسلسلات المعروفة لدى أنظمة الفحص.
ويحذر العلماء من أن الذكاء الاصطناعي يمكنه نظرياً المساعدة في إعادة ترتيب تسلسلات الحمض النووي مع الحفاظ على الوظيفة البيولوجية نفسها.
وبعبارة أبسط، قد تتغير «الحروف» التي تكوّن الشفرة الجينية، بينما تبقى الوظيفة الأساسية محفوظة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة أدوات الكشف المصممة للتعرف على أنماط معروفة على اكتشاف تسلسلات جديدة.
تجربة ستانفورد عندما أصبح التصميم الفيروسي ممكناً
لم تعد هذه المخاوف مجرد سيناريوهات نظرية بالكامل.
فقد نشر باحثون من جامعة ستانفورد ومعهد «آرك» دراسة في دورية Science تناولت استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي لتصميم جينومات فيروسية وظيفية من الصفر.
وبحسب الدراسة، ولد الباحثون مئات الجينومات المرشحة، ثم جرى تصنيع عدد منها في المختبر، وتمكنوا من تحويل 16 منها إلى عاثيات بكتيرية فعالة، أي فيروسات تستهدف البكتيريا، ونجحت هذه العاثيات في إصابة بكتيريا الإشريكية القولونية وقتلها.
واللافت هنا ليس أن العلماء صنعوا فيروسات تصيب البشر – فهذا لم يكن هدف التجربة – وإنما أن الذكاء الاصطناعي تمكن من المساهمة في تصميم جينومات فيروسية وظيفية لم تُستنسخ ببساطة من فيروس موجود في الطبيعة.
لماذا اختار الباحثون العاثيات؟
العاثيات البكتيرية ليست فيروسات تصيب البشر، بل تستهدف البكتيريا وهذا الاستخدام يحمل جانباً علاجياً مهماً، خصوصاً مع تنامي مشكلة البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية لذلك ينظر العلماء إلى العلاج بالعاثيات باعتباره أحد المسارات التي يمكن تطويرها لمواجهة بعض أنواع العدوى التي يصعب علاجها بالأدوية التقليدية.
ومن هذا المنطلق، فإن القدرة على تصميم عاثيات جديدة بواسطة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون أداة طبية واعدة، تسمح مستقبلاً بتطوير علاجات أكثر دقة وسرعة.
كما اتخذ الباحثون إجراءات احترازية خلال تدريب النماذج، من بينها استبعاد تسلسلات مرتبطة بفيروسات بشرية وحيوانية ونباتية وفطرية من بيانات التدريب، إلى جانب إجراء التجارب في مرافق آمنة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو إذا كان بالإمكان استخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم فيروسات بكتيرية جديدة، فما الذي يمنع مستقبلا إساءة استخدام القدرات ذاتها في سياقات أكثر خطورة؟
المشكلة ليست في الفيروس وحده بل في سرعة التصميم
يرى العلماء أن مصدر القلق الأساسي يتمثل في التطور السريع لقدرات الذكاء الاصطناعي على التعامل مع الحمض النووي والبروتينات.
فالنماذج المتقدمة يمكن تدريبها على توليد تسلسلات جديدة، ما يفتح الباب أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم جزيئات وكائنات ذات خصائص لم تكن موجودة بالشكل نفسه من قبل.
وهنا تظهر فجوة محتملة بين سرعة الابتكار وسرعة بناء أنظمة الدفاع والرقابة فالدفاع البيولوجي يعتمد بصورة أساسية على ثلاثة عناصر اكتشاف التهديد في أسرع وقت ممكن، وتحديد مصدره، ثم تطوير وسائل مضادة قبل أن يتسع نطاق الضرر.
وأي تأخر في إحدى هذه المراحل قد يكون بالغ التكلفة في حال ظهور تهديد بيولوجي جديد.
«حمولة» بيولوجية ببصمة مختلفة
الخوف الذي يثيره هذا التطور لا يتعلق فقط بإنتاج فيروس جديد، بل أيضاً بإمكانية تغيير البصمة الجينية مع الحفاظ على الوظيفة البيولوجية.
سباق بين التصميم والدفاع
المفارقة أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح في الوقت نفسه جزءاً من المشكلة والحل فالتقنيات نفسها التي يمكن أن تساعد على تصميم تسلسلات جديدة قد تتيح للعلماء أيضاً اكتشاف الأمراض في مراحل مبكرة، وتصميم أدوية أكثر ملاءمة للمرضى، وتطوير علاجات مخصصة استناداً إلى الاختلافات الجينية بين الأفراد.
كما يمكن أن تساعد مستقبلاً في تسريع اكتشاف مضادات للفيروسات والاستجابة للأوبئة الناشئة لكن كلما ازدادت قدرة الآلات على تصميم حلول بيولوجية جديدة، ازدادت الحاجة إلى التأكد من أن هذه القدرات لا يمكن استغلالها بسهولة في اتجاه معاكس.
المعركة المقبلة من يبتكر أسرع؟
قد يكون التحدي الأكبر في السنوات المقبلة هو أن يتحول الأمن البيولوجي إلى سباق بين طرفين قدرات التصميم من جهة، وقدرات الكشف والدفاع من جهة أخرى.
ويأمل العلماء أن يتمكن الذكاء الاصطناعي نفسه من تقديم جزء من الحل، عبر تطوير أنظمة قادرة على اكتشاف التهديدات الجديدة، وتصميم علاجات مضادة بسرعة، والاستجابة للأوبئة قبل تحولها إلى أزمات عالمية.
لكن نجاح هذا المسار يتطلب أكثر من مجرد تطوير نماذج أقوى؛ فهو يحتاج أيضاً إلى قواعد دولية واضحة، وضوابط صارمة على الاستخدام، وآليات فعالة لمراقبة التقنيات ذات الاستخدام المزدوج.
قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على تصميم أشكال جديدة من الحياة أو الجينومات، بل ما إذا كان العالم سيبني أنظمة الحماية والحوكمة بالسرعة نفسها التي تتقدم بها هذه القدرة.
وبينما يفتح الذكاء الاصطناعي باباً ربما يقود إلى جيل جديد من الطب والعلاجات الشخصية، فإنه يفتح في المقابل باباً آخر على مخاطر لم تكن موجودة بهذه الصورة من قبل.




