قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

مفاجأة دربالة.. صانع محتوى يكشف سر الدير الذي يحيط بصخرة محمد صلاح

مفاجأة دربالة
مفاجأة دربالة

إذا كانت صورة محمد صلاح فوق صخرة في طبيعة طرابزون قد منحت المكان شهرة جديدة، فإن المنطقة المحيطة به تحمل قصة أقدم بكثير، وتحديدًا قصة دير سوميلا أو دير مريم العذراء، أحد أكثر المعالم التاريخية غرابة في شمال تركيا، والتي كشف تفاصيلها صانع المحتوى أحمد أحمد حسين الشهير بـ "دربالة".

يقع الدير في منطقة ماتشكا بولاية طرابزون، داخل وادي ألتنديره، على سفح جبل كاراداغ، وقد بُني على واجهة صخرية شاهقة ترتفع قرابة 300 متر فوق أرضية الوادي، وتصفه وزارة الثقافة والسياحة التركية بأنه أحد أهم المعالم التاريخية والسياحية في المنطقة. 

البداية.. راهبان ومغارة في قلب الجبل

ترجع الرواية التقليدية لبداية سوميلا إلى القرن الرابع الميلادي، عندما وصل راهبان من أثينا هما برنابا وسوفراونيوس إلى المنطقة، ويُقال إنهما أقاما في مغارة موجودة داخل الجبل وحولاها إلى كنيسة مخصصة لمريم العذراء.

وتذكر وزارة الثقافة التركية أن الدير أُسس في عهد الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس الأول بين عامي 375 و395 ميلادية، ثم شهد توسعة وترميمًا في القرن السادس بأمر من الإمبراطور جستنيان، ونفذ أعمال الترميم الجنرال بيليساريوس. 

وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط إثارة في تاريخ المكان: سوميلا لم تُبنَ دفعة واحدة، وإنما تطورت على مدى قرون، من مساحة دينية صغيرة داخل الصخور إلى مجمع ضخم يضم كنائس وغرفًا ومكتبة ومرافق معيشية.

وتشير قائمة اليونسكو المؤقتة إلى أن بناء المجمع بدأ في القرن الرابع واستمر في التطور حتى القرن التاسع عشر، مع توسعات وإضافات متعاقبة. 

 

لماذا سُميت «سوميلا»؟

حتى اسم المكان يحمل أكثر من تفسير، بحسب دربالة، حيث تربط إحدى الروايات اسم Sumela بكلمة «Melas»، التي تعني «الأسود»، في إشارة محتملة إلى لون الجبل الداكن الذي أقيم عليه الدير، لكن هناك تفسيرًا آخر يربط الاسم بصورة مريم العذراء الموجودة في المكان، والتي توصف في الروايات بأنها ذات لون داكن.

أما وزارة الثقافة التركية فتذكر أن الاسم قد يكون مرتبطًا بالجبال الداكنة، أو بصورة مريم نفسها، بينما تشير معلومات مدينة ماتشكا إلى الاسم اليوناني Panaghia Tou Melas بمعنى «عذراء الجبل الأسود». 

ولم يكن سوميلا مجرد مكان منعزل وسط الجبال، بل اكتسب أهمية كبيرة مع مرور الوقت.

وبحلول عصر إمبراطورية طرابزون، أصبح الدير أكثر نفوذًا، خصوصًا في عهد الإمبراطور ألكسيوس الثالث الذي حكم بين 1349 و1390، حيث حصل على امتيازات وإيرادات بموجب فرمانات إمبراطورية.

كما استمر خلفاؤه في تقديم الامتيازات للدير، وهو ما ساعد على زيادة ثروته وتوسعاته. 

وتشير اليونسكو إلى أن المجمع وصل إلى مرحلة ازدهار كبيرة خلال عهد ألكسيوس الثالث، وأنه امتلك عشرات الغرف ومكتبة غنية. 

 

ماذا يوجد داخل الجبل؟

المفاجأة أن سوميلا ليس مجرد كنيسة معلقة على صخرة، فالمجمع التاريخي يضم كنيسة صخرية رئيسية، وعدة مصليات، ومطبخًا، وغرفًا للطلاب والرهبان، وغرفًا للضيوف، ومكتبة، ومصدر مياه مقدس، بالإضافة إلى بقايا قنوات مائية ضخمة كانت تصل المياه إلى الموقع.

وحتى الوصول إلى الدير يكشف طبيعة المكان الصعبة؛ فهناك درج طويل وضيق يقود إلى المدخل، ثم تتوزع المباني حول الفناء الداخلي. 

وواحدة من أهم كنوز سوميلا هي الفريسكات التي تغطي أجزاء من الكنيسة الصخرية والمصليات، وتتضمن الرسومات مشاهد من الكتاب المقدس، إضافة إلى مشاهد مرتبطة بحياة المسيح ومريم العذراء.

والأكثر إثارة أن بعض هذه الرسومات تعود إلى فترات تاريخية مختلفة؛ فهناك فريسكات مرتبطة بعصر ألكسيوس الثالث، بينما تعود أخرى إلى بدايات القرن الثامن عشر، كما توجد طبقات مختلفة من الرسومات فوق بعضها نتيجة أعمال متعاقبة عبر الزمن. 

وهذا يعني أن الزائر لا يرى لوحة واحدة من عصر واحد، وإنما طبقات فنية تركتها أجيال مختلفة على جدران المكان نفسه.

 

من الازدهار إلى مرحلة الإخلاء

شهد الدير عمليات تجديد واسعة خلال القرن الثامن عشر، ثم أضيفت إليه مبانٍ كبيرة في القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي وصل فيها إلى واحدة من أكثر مراحل ازدهاره.

وبحلول ذلك الوقت أصبح المكان مقصدًا للرحالة الأجانب الذين كتبوا عنه ووصفوا موقعه الاستثنائي بين الجبال والغابات.

لكن القرن العشرين حمل نهاية مختلفة؛ فقد تعرض الدير للاضطرابات خلال الاحتلال الروسي لطرابزون بين 1916 و1918، ثم أُخلي بالكامل بعد عام 1923. 

 

من مكان مهجور إلى تحفة سياحية

لم تنته قصة سوميلا بعد الإخلاء، فالموقع دخل لاحقًا في مراحل طويلة من الترميم والحماية، خاصة أن موقعه الجبلي جعله عرضة لمخاطر سقوط الصخور.

وفي عام 2019 فُتح الجزء الأول من الدير أمام الزوار بعد أعمال ترميم وتأمين استمرت لسنوات، وأشارت السلطات التركية وقتها إلى أن تثبيت الكتل الصخرية كان ضروريًا لحماية الزوار والموقع نفسه. 

وفي 1 يوليو 2021 أعلنت وزارة الثقافة والسياحة التركية افتتاح المرحلة الثالثة والأخيرة من أعمال الترميم، ليصبح الموقع أكثر جاهزية لاستقبال الزوار.

وفي سبتمبر 2026، توافد السياح إلى المكان بكثرة بعد صورة عفوية التقطها النجم المصري محمد صلاح لاعب طرابزون سبور خلال جولته في الطبيعة التركية، حيث ظهر النجم المصري جالسًا فوق صخرة في منطقة جبلية بطرابزون، لتتحول خلال أيام من مجرد حجر مجهول إلى نقطة جذب يقصدها مشجعون وسياح بحثًا عن المكان نفسه الذي جلس عليه قائد منتخب مصر.

وهكذا أصبحت صورة واحدة لمحمد صلاح فوق صخرة في طبيعة طرابزون حلقة جديدة في تاريخ مكان سبقت شهرته الحديثة أكثر من 1600 عام.