منذ توليه مهامه أمييا عاما لجامعة الدول العربية في يوليو الماضي، يواصل الدكتور نبيل فهمي التحرك على أكثر من مسار لإعادة تنشيط الحضور العربي في القضايا الإقليمية والدولية، وهو ما ظهر بصورة واضحة خلال مشاركته في أعمال الشق رفيع المستوى للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وخلال أيام قليلة، عقد فهمي سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين أمميين ووزراء خارجية وقادة ومسؤولين عرب، إلى جانب مشاركته في الاجتماع التشاوري السنوي لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، فيما يستعد للمشاركة في الاجتماع الوزاري المشترك لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بشأن القدس، المقرر عقده الجمعة 25 سبتمبر.
وتعكس طبيعة هذه التحركات تعدد الملفات التي يضعها الأمين العام على أجندة تحركه، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والأوضاع في غزة والضفة الغربية والقدس، إلى جانب أزمات سوريا ولبنان واليمن وليبيا والسودان، فضلًا عن أمن الخليج وحرية الملاحة وأمن الطاقة والتجارة العالمية، وكذلك قضايا التنمية والعمل العربي المشترك.
القضية الفلسطينية في الصدارة
احتلت القضية الفلسطينية جانبًا رئيسيًا من تحركات فهمي في نيويورك، سواء خلال لقائه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أو الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد، أو خلال اللقاءات العربية التي سبقت الاجتماع التشاوري الوزاري.
وأكد فهمي في هذه اللقاءات ضرورة تكثيف التحرك العربي والإسلامي على الساحة الدولية، والبناء على الاعترافات الدولية المتوالية بالدولة الفلسطينية، وصولًا إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
كما شدد على أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة، ورفض أي ترتيبات تفصله عن الضفة الغربية، مع التأكيد على ضرورة إلزام إسرائيل بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
ويأتي الاجتماع الوزاري المشترك للجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بشأن القدس، المقرر عقده في نيويورك، ليشكل محطة إضافية في هذا التحرك، خاصة في ظل تأكيد الجانبين العربي والإسلامي أهمية الدفاع عن المدينة المقدسة وهويتها ومقدساتها الإسلامية والمسيحية ورفض الإجراءات التي تستهدف تغيير وضعها القانوني والتاريخي.
الملف الآخر الذي فرض نفسه بقوة على تحركات الأمين العام هو التصعيد الإقليمي وانعكاساته على أمن الدول العربية.
وخلال لقائه غوتيريش، بحث فهمي تداعيات التصعيد على أمن المنطقة العربية واستقرارها، وحركة الملاحة الدولية وأمن الطاقة والتجارة العالمية، مؤكدًا تضامن الجامعة العربية مع دولها الأعضاء في صون أمنها وسيادتها وسلامة منشآتها الحيوية.
كما شدد على أن حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر مبدأ راسخ في القانون الدولي، وهو الموقف الذي عاد لتأكيده خلال لقاءاته مع عدد من المسؤولين العرب.
وفي لقائه وزير خارجية البحرين عبد اللطيف بن راشد الزياني، تناول فهمي تطورات الأوضاع في الخليج العربي، ولا سيما مضيق هرمز، مؤكدًا أهمية الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومجددًا تضامن الجامعة مع البحرين ودول الخليج العربية في صون أمنها وسيادتها وسلامة منشآتها الحيوية.
كما أكد خلال لقائه ولي عهد دولة الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح إدانة الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دولًا عربية، مشددًا على أن أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، مع الدعوة في الوقت نفسه إلى تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد والحيلولة دون اتساع دائرة المواجهة.
وفي الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية العرب، امتد النقاش إلى الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربية والأردن والعراق، إلى جانب هجمات الحوثيين على المملكة العربية السعودية، والتهديدات التي تتعرض لها حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وبذلك بدا ملف أمن المنطقة حاضرا في أكثر من مسار من تحركات الأمين العام، من خلال التأكيد على التضامن العربي مع الدول التي تعرضت للاعتداءات، بالتوازي مع الدعوة إلى التهدئة ومنع اتساع نطاق المواجهة.
جرح غائر في لبنان والسودان
لم تقتصر تحركات فهمي على الملفات المرتبطة بالتطورات الحالية، وإنما امتدت إلى عدد من الأزمات العربية التي تحتاج إلى تسويات سياسية وإنهاء حالة الصراع وعدم الاستقرار.
ففي الملف السوداني، بحث فهمي مع الأمين العام للأمم المتحدة الأوضاع الخطيرة في السودان، وجدد الطرفان الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات، بما يخفف من معاناة الشعب السوداني ويحد من تفاقم الأزمة الإنسانية.
كما تناولت لقاءاته تطورات الأوضاع في اليمن وليبيا وسوريا ولبنان، مع التأكيد على أهمية الحلول السياسية والحفاظ على وحدة الدول العربية وسيادتها.
وفي الملف الليبي تحديدًا، أكد فهمي خلال لقائه رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي دعم الجامعة العربية لعملية سياسية بقيادة وملكية ليبية، تقوم على الحوار والتوافق، وتنهي المراحل الانتقالية وتوحد مؤسسات الدولة وتهيئ الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
أما في لبنان، فجدد خلال لقائه رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إدانة الاعتداءات الإسرائيلية والانتهاكات المستمرة للسيادة اللبنانية، داعيا إلى الالتزام الكامل بقرار مجلس الأمن (1701)، مؤكدًا دعم الجامعة لجهود الدولة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل أراضيها وحصر السلاح في يد الدولة.
اللافت في تصريحات فهمي خلال لقاءاته المتعددة هو تكرار طرح يتعلق بتطوير طريقة عمل الجامعة العربية، والانتقال من مجرد تنسيق المواقف إلى مزيد من المبادرة والتنفيذ.
فخلال لقائه ألكسندر دي كرو، وكيل السكرتير العام للأمم المتحدة ومدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تحدث فهمي عن أهمية الانتقال من مرحلة التنسيق إلى الانخراط في التنفيذ عبر مبادرات مشتركة محددة الأهداف والجداول الزمنية.
كما طرح خلال لقائه ولي عهد الكويت أهمية الانتقال من مجرد تسجيل المواقف إلى بلورة تحرك عربي أكثر تنسيقًا وفاعلية، مؤكدًا حرص الأمانة العامة على مواصلة التشاور مع الدول العربية بشأن تطوير منظومة العمل العربي المشترك والتعامل مع التحديات الإقليمية والدولية.
وهذا الطرح يتقاطع مع ما أكده خلال الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية العرب، حين شدد على ضرورة تعزيز فاعلية التحرك العربي المشترك، بما يصون الأمن القومي العربي وسيادة الدول العربية ومصالحها ويدعم القضايا ذات الأولوية.
ووبالتوازي مع الملفات السياسية والأمنية، حملت لقاءات فهمي جانبًا تنمويًا وإنسانيًا واضحا.
ففي لقائه مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ناقش الجانبان قضايا التنمية في المنطقة العربية وتداعيات التطورات السياسية والأمنية على جهود الدول العربية لتحقيق التنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وأكد فهمي أهمية تطوير التعاون بين الجامعة العربية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وتعزيز قدرة الجامعة على المبادرة والتعامل الفاعل مع الأزمات.
كما التقى وكيل السكرتير العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر، واستمع إلى عرض حول الجهود الإنسانية الأممية، خصوصًا في غزة والسودان والصومال، مؤكدًا استعداد الجامعة العربية للانخراط والتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ودعم أي جهد يؤدي إلى تحسين الأوضاع الإنسانية في المنطقة.
اختبار مبكر لرؤية الأمين العام
وامتد الاهتمام الإنساني إلى ملف الأطفال المتأثرين بالنزاعات، خلال لقاء فهمي الممثلة الخاصة للسكرتير العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة فانيسا فريزر، حيث شدد على ضرورة توفير الحماية للأطفال وتعزيز حقوقهم وضمان وصول المساعدات والخدمات الأساسية إليهم.
وعلى المستوى العربي المباشر، شكل الاجتماع التشاوري السنوي لمجلس الجامعة على المستوى الوزاري إحدى أبرز محطات مشاركة فهمي في نيويورك.
الاجتماع، الذي ترأسه محمد علي النفطي وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج ورئيس الدورة الـ166 لمجلس الجامعة، تناول تنسيق المواقف العربية تجاه القضايا المطروحة على جدول أعمال الجمعية العامة، وتطورات القضية الفلسطينية، والأوضاع في سوريا ولبنان، والتصعيد الإقليمي، وملفات الملاحة في هرمز والبحر الأحمر.
كما التقى فهمي رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، ووزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، وولي عهد الكويت، ووزراء خارجية البحرين وموريتانيا ومالطا، إلى جانب رئيسي المجلسين الرئاسي الليبي والحكومة اللبنانية، في إطار مشاورات شملت عددًا من الملفات العربية والإقليمية.
وبالنظر إلى طبيعة اللقاءات والملفات التي تحرك فيها نبيل فهمي منذ وصوله إلى نيويورك، تبدو مشاركته في الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة بمثابة محطة مبكرة لاختبار رؤيته التي أعلن عنها لتطوير العمل العربي المشترك.
فالرجل يتحرك في وقت تواجه فيه المنطقة مجموعة متزامنة من الأزمات؛ من القضية الفلسطينية والحرب والمعاناة الإنسانية في غزة، إلى السودان وليبيا واليمن ولبنان وسوريا، وصولًا إلى التصعيد الإقليمي وأمن الخليج وحرية الملاحة والطاقة والتجارة.
وفي هذا السياق، يحاول الأمين العام وضع الجامعة العربية في مساحة أكثر حضورًا على مستوى الاتصالات الدولية، مع الحفاظ على التنسيق العربي الداخلي، وفتح قنوات تعاون أوسع مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية، بالتوازي مع طرح فكرة الانتقال من تنسيق المواقف إلى مبادرات أكثر تحديدًا وقابلية للتنفيذ.
وتبقى الأيام المقبلة، مع استكمال برنامج مشاركته في نيويورك، وما يتضمنه من اجتماعات عربية وإسلامية ودولية، مساحة إضافية لبلورة هذه الرؤية، خصوصًا في ملفات القضية الفلسطينية والقدس وأمن المنطقة والأزمات العربية المفتوحة.














