قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

مصر دائما في مقدمة الداعمين.. وإسرائيل لم تترك شيئا| نقيب أطباء فلسطين يكشف كيف تحولت صحة غزة إلى ركام | حوار

الدكتور صلاح الهشلمون نقيب أطباء فلسطين
الدكتور صلاح الهشلمون نقيب أطباء فلسطين

لم يكن ملف غزة بعيدا عن أجندة الاجتماع الاستثنائي للمجلس الأعلى والأمانة العامة لاتحاد الأطباء العرب، الذي استضافته القاهرة على مدار يومين، بمشاركة ممثلين عن 18 نقابة وهيئة وكلية طبية عربية، في وقت تفرض فيه الكارثة الصحية التي يعيشها الفلسطينيون نفسها على أي نقاش يتعلق بمستقبل العمل الطبي والإنساني العربي.

فبعد ما يقرب من ثلاثة أعوام على الحرب التي اندلعت في أعقاب 7 أكتوبر 2023؛ لم يعد الحديث عن القطاع الصحي في غزة متعلقا فقط بمستشفيات تعرضت للدمار أو مرضى يبحثون عن دواء، وإنما أصبحنا أمام منظومة صحية بأكملها تعرضت لضربات واسعة، شملت المنشآت الطبية والكوادر والأدوية والمستلزمات والأجهزة، وامتدت آثارها إلى المرضى أصحاب الأمراض المزمنة، ومرضى السرطان والقلب والكلى والسكري، والنساء والأطفال، والمصابين الذين يحتاجون إلى عمليات وتأهيل طويل.

وتكشف الأرقام حجم الأزمة التي يواجهها القطاع الصحي؛ فمنظمة الصحة العالمية تقول إن 19 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى في غزة تعمل بصورة جزئية، ولا يوجد مستشفى واحد يعمل بكامل طاقته، بينما تعاني الأدوية الأساسية ووسائل التشخيص والمعدات والوقود نقصا حادا.

كما وثقت المنظمة منذ عام 2023 ما لا يقل عن 920 هجوما على المنشآت والعاملين الصحيين، أسفرت، وفق بياناتها، عن مقتل أكثر من 1700 من العاملين الصحيين.

ولا تقف الأزمة عند حدود المستشفيات والطوارئ، فالأمراض التي تحتاج إلى علاج مستمر أصبحت واحدة من أكثر الملفات إلحاحا.

وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن الخدمات الأساسية لنحو 350 ألف شخص من المصابين بأمراض مزمنة ما زالت متعطلة بشدة، مع نقص الأدوية ووسائل التشخيص والمعدات اللازمة لعلاج مرضى السكري والضغط والكلى والسرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية، فيما يواجه نحو 700 مريض يحتاجون إلى غسيل الكلى خطرا مستمرا بسبب نقص المستلزمات، بينما لا تزال خدمات القلب والأورام متاحة بصورة محدودة للغاية.

وفي قلب هذه الأزمة تقف المرأة والطفل باحتياجات صحية لا يمكن تأجيلها؛ فالمرأة الحامل تحتاج إلى متابعة الحمل والولادة والرعاية بعد الولادة، والنساء والفتيات يحتجن إلى خدمات الصحة الإنجابية والأدوية والمستلزمات الخاصة بهن، بينما يحتاج الأطفال إلى الغذاء والمياه الآمنة والتطعيم والعلاج والرعاية النفسية والتأهيل، خصوصًا أن عددًا كبيرًا منهم تعرض لإصابات غيرت حياته.

وتشير بيانات اليونيسف إلى أن 12.2% من الأطفال دون الخامسة في المناطق التي شملها مسح تغذوي أُجري في غزة خلال مايو ويونيو 2026 يعانون التقزم، وأن 37.1% منهم أصيبوا بالإسهال خلال الأسبوعين السابقين للمسح، بينما لم يحصل سوى 22.4% من الأطفال بين 6 و23 شهرا على الحد الأدنى المقبول من الغذاء، مع تسجيل سوء تغذية لدى الأمهات أيضا.

وتوضح اليونيسف، أن هذه النتائج تخص المناطق التي أمكن الوصول إليها خلال فترة المسح، ولا تمثل إحصاءً شاملًا لكل سكان القطاع.

أما على مستوى الكوادر البشرية، فتبدو الصورة أكثر قسوة، إذ يؤكد الدكتور صلاح الهشلمون، نقيب أطباء فلسطين، أن عدد الأطباء الذين كانوا يعملون في قطاع غزة قبل الحرب كان يقترب من 4 آلاف طبيب، بينما لا يعمل هناك حاليا سوى نحو 1400 إلى 1500 طبيب، بعدما قتل بعضهم ونزح آخرون، فيما تعذر على عدد منهم العودة إلى القطاع.

وبالتوازي مع ذلك، يواجه القطاع نقصا حادا في الأدوية والمستلزمات الطبية، بما في ذلك احتياجات مرضى الأمراض المزمنة، بينما تعاني خدمات غسيل الكلى والقلب والأورام من ضغوط كبيرة، وتواجه النساء والأطفال ظروفا صحية وغذائية بالغة الصعوبة، فضلا عن الإصابات التي خلفتها الحرب والتي تحتاج إلى جراحات ورعاية وتأهيل لسنوات.

وفي الضفة الغربية، لا تبدو الصورة أقل تعقيدا من زاوية أخرى، إذ يتحدث نقيب أطباء فلسطين عن أكثر من ألف بوابة وحاجز عسكري تعيق حركة المرضى والطواقم الطبية، بما يضيف عائقا جديدا أمام الوصول إلى المستشفيات والمراكز الصحية، إلى جانب النقص في الأدوية والاحتياجات الطبية الأساسية.

ومن هنا، فإن الحديث عن غزة داخل اجتماع اتحاد الأطباء العرب لم يكن حديثا عن ملف بعيد عن واقع العمل الطبي العربي، وإنما عن منظومة صحية تحتاج إلى دعم عاجل وإعادة بناء طويلة المدى، وعن أطباء يعملون في ظروف استثنائية، ومرضى لا يستطيع كثير منهم الانتظار، ونساء وأطفال ومرضى مزمنين أصبحت أبسط احتياجاتهم الصحية جزءا من أزمة أكبر.

وفي هذا السياق، أجرى "صدى البلد" حوارا مع الدكتور صلاح الهشلمون، نقيب أطباء فلسطين، على هامش الاجتماع الاستثنائي للمجلس الأعلى والأمانة العامة لاتحاد الأطباء العرب في القاهرة، للوقوف على حقيقة الأوضاع الصحية في غزة والضفة الغربية، وما الذي جرى للمنظومة الطبية الفلسطينية خلال سنوات الحرب، وحجم النقص في الأدوية والمستلزمات والكوادر، وأوضاع مرضى السرطان والكلى والقلب والسكري، واحتياجات النساء والأطفال، ومستقبل إعادة بناء القطاع الصحي، فضلًا عن الدور العربي والمصري في تقديم الدعم الطبي والإنساني للفلسطينيين.

وإلى نص الحوار:

 

كيف تصف الوضع الصحي في فلسطين حاليًا، خاصة في قطاع غزة؟

الوضع الفلسطيني لا يحتاج إلى الكلام، بل يحتاج إلى الدعم والمساعدة والمساندة.
رغم أن هناك حديثا في بعض وسائل الإعلام عن تحسن في الوضع، فإن الحقيقة أن الوضع الصحي في غزة ما زال كارثيا، وكذلك الوضع في الضفة الغربية، وإن كانت طبيعة الأزمة تختلف من مكان إلى آخر، فالقطاع مر بظروف قاسية جدا، وما تعرض له أهلنا هناك أدى إلى انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، فعدد كبير من المستشفيات والمراكز الصحية تعرض للدمار، وبعض المنشآت التي ما زالت موجودة تعمل بصورة جزئية، وبعضها يعمل بقدرات محدودة جدا، فنحن نتحدث عن نقص في المستلزمات الطبية والمستهلكات والأدوية، وعن نقص في المعدات والكوادر، ولذلك فإن قدرة المستشفيات على تقديم الخدمة لم تعد كما كانت قبل العدوان.

هل يمكن القول إن المشكلة أصبحت أكبر من مجرد تدمير عدد من المستشفيات؟

بالتأكيد، القضية ليست تدمير مبانٍ فقط، عندما يتم تدمير مستشفى، فأنت لا تدمر جدرانا فقط، وإنما تدمر قسم الطوارئ والعمليات والعناية المركزة والمختبر والأشعة والصيدلية والولادة وكل الخدمات الموجودة داخل هذا المستشفى، ثم هناك العنصر البشري، وهو الطبيب والممرض والمسعف والفني، وهذا العنصر أيضا تعرض للخسائر والنزوح والاعتقال، وبالتالي فإن تدمير القطاع الصحي شمل الإنسان والمنشأة في الوقت نفسه.

تحدثت عن الكوادر الطبية.. كم كان عدد الأطباء في غزة قبل الحرب وكم بقي منهم؟ 

قبل العدوان كان هناك نحو 4 آلاف طبيب في قطاع غزة.. أما الآن، فلا يعمل في القطاع سوى نحو 1400 إلى 1500 طبيب تقريبا، فبعض الأطباء استشهدوا، وبعضهم نزح، وبعضهم لم يتمكن من العودة إلى غزة، وبالتالي أصبح لدينا نقص كبير جدا في عدد الأطباء، في الوقت الذي تضاعفت فيه الاحتياجات الصحية، والطبيب الموجود اليوم لا يتعامل مع حالة واحدة أو تخصص واحد، وإنما يجد نفسه أمام إصابات الحرب، والمرضى المزمنين، والأطفال، والنساء، ومرضى السرطان والكلى والقلب والسكري، إلى جانب الأمراض المعدية والاحتياجات النفسية والتأهيلية.

إذن هناك أزمة في الأطباء بالتزامن مع أزمة في المستشفيات؟

بالضبط، ولهذا أقول إننا أمام انهيار في المنظومة وليس مجرد أزمة في منشأة أو منشأتين، ومنظمة الصحة العالمية نفسها تقول إن 19 مستشفى فقط من أصل 36 في غزة تعمل بصورة جزئية، ولا يوجد مستشفى يعمل بكامل طاقته، كما أن الأدوية والمعدات والوقود ووسائل التشخيص تعاني نقصا حادا.

ماذا عن الأدوية؟ هل النقص يقتصر على أدوية الطوارئ أم يشمل الأدوية التي يحتاج إليها المرضى بشكل يومي؟ 

النقص يشمل الأدوية والمستلزمات الطبية بصورة واسعة، فهناك أدوية أساسية يحتاج إليها المريض بصورة مستمرة، وهناك أصناف أصبح مخزونها شحيحا جدا، وبعض الأدوية شارفت على النفاد.

والمشكلة أن الطبيب قد يكون قادرا على تشخيص المريض، وقد يعرف العلاج الذي يحتاج إليه، ولكن عندما لا يكون الدواء متوفرا؛ يصبح من الصعب تنفيذ الخطة العلاجية.

والأمر لا يتعلق فقط بأدوية الحالات الطارئة، وإنما أيضا بأدوية الأمراض المزمنة التي لا يستطيع المريض الاستغناء عنها.

 

دعنا نتوقف عند الأمراض المزمنة.. ماذا يحدث لمرضى السكري والضغط والقلب والكلى والسرطان؟

هذه من أخطر الملفات، فمريض السكري يحتاج إلى الإنسولين والمتابعة وقياس السكر بصورة مستمرة، ومريض القلب يحتاج إلى الأدوية والفحوصات وقد يحتاج إلى تدخل عاجل، ومريض الكلى يحتاج إلى جلسات غسيل منتظمة، ومريض السرطان يحتاج إلى التشخيص والعلاج والمتابعة.

لا يمكن أن تقول لمريض الكلى: انتظر، أو لمريض السكري: لا يوجد إنسولين اليوم، أو لمريض السرطان: سنوفر العلاج عندما تتوفر الإمكانيات، فهذه أمراض تحتاج إلى علاج منتظم.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 350 ألف شخص من المصابين بأمراض مزمنة في غزة تعاني خدماتهم الأساسية اضطرابا شديدا، مع نقص في الأدوية ووسائل التشخيص والمعدات المتخصصة، فيما يظل نحو 700 مريض يحتاجون إلى غسيل الكلى معرضين للخطر بسبب نقص المستلزمات الأساسية.

وماذا عن مرضى الكلى والغسيل تحديدا؟

مريض الكلى لا يستطيع الانتظار، فهناك نحو 700 مريض يحتاجون إلى غسيل الكلى، والغسيل يتم بصورة منتظمة، وليس خدمة يمكن تأجيلها، وقد أدى نقص المستلزمات إلى وضع هؤلاء المرضى في ظروف شديدة الصعوبة، حتى بعض الأدوية المهمة لمرضى الغسيل أصبحت غير متوفرة، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى اللجوء إلى نقل الدم بدلا من استخدام أدوية معينة لم تعد متوفرة.

الأمم المتحدة حذرت أيضا من نقص مستلزمات الغسيل والإنسولين والحقن، وأشارت إلى أن جميع مرضى الغسيل في غزة يحتاجون إلى جلسات منتظمة عدة مرات أسبوعيًا.

وماذا عن مرضى السرطان؟ 

مرضى السرطان يحتاجون إلى منظومة متكاملة، فهناك التشخيص، وهناك الأشعة والتحاليل، وهناك العلاج الكيميائي والإشعاعي، وهناك المتابعة المستمرة، فإذا توقف أي عنصر من هذه العناصر؛ فإن المريض يتأثر، والآن هناك نقص في مستلزمات علاج السرطان وفي بعض مواد التشخيص، كما أن بعض أجهزة التشخيص تأثرت بنقص قطع الغيار والوقود والمستهلكات.

وفي سبتمبر 2026، تحدث مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عن فجوات خطيرة في علاج السرطان، بما في ذلك نقص مستلزمات أساسية للعلاج الكيميائي والإشعاعي، وتأثر خدمات التشخيص.

أما مرضى القلب فيحتاجون إلى تدخلات سريعة، وهناك نقص في بعض المستلزمات الخاصة بالقسطرة والتدخلات القلبية، وبالتالي فإن الخدمة أصبحت محدودة، وهناك حالات تحتاج إلى تدخل عاجل، وكل تأخير قد يكون له تأثير على حالة المريض.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 400 مريض ظلوا على قائمة انتظار للقسطرة القلبية في سبتمبر، مع جهود لإعادة خدمات التدخل القلبي بصورة أوسع.

وماذا عن مرضى السكري؟

مرضى السكري يعتمدون على الإنسولين وعلى مستلزمات أخرى مثل الحقن وشرائط وأجهزة قياس السكر، والنقص في الإنسولين يمثل مشكلة حقيقية، خصوصا لمرضى السكري من النوع الأول، وقد أشارت الأمم المتحدة إلى أن نقص بعض أنواع الإنسولين اضطر بعض المرضى إلى تغيير طريقة أخذ الجرعات من الأقلام إلى القوارير، وهو ما يزيد خطر أخطاء الجرعات، كما تحدثت تقارير حديثة عن استمرار النقص في بعض مستلزمات علاج السكري.

إذا انتقلنا إلى صحة المرأة، ماذا عن النساء الحوامل وخدمات الولادة والصحة الإنجابية؟

المرأة لها احتياجات صحية خاصة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مثل أي حالة مرضية أخرى، وهناك متابعة الحمل، وهناك الولادة، وهناك الرعاية بعد الولادة، وهناك الأدوية والمستلزمات الخاصة بالنساء، وهناك خدمات الصحة الإنجابية، فعندما تنهار المنظومة الصحية، فإن المرأة الحامل تصبح معرضة لمخاطر أكبر، خاصة إذا لم تجد مستشفى مجهزا أو طبيبا متخصصا أو دواء أو وسيلة تشخيص،،وهناك أيضا احتياجات أخرى تتعلق بالصحة الإنجابية ووسائل منع الحمل والرعاية بعد الولادة.

وتؤكد بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان، أن خدمات الصحة الجنسية والإنجابية في غزة ما زالت مقيدة بشدة، وأن الاستجابة الإنسانية تضمنت توفير الأدوية ووسائل منع الحمل والمعدات الطبية وحزم الصحة الإنجابية، إلى جانب تشغيل وحدات للرعاية الطارئة للأمهات وحديثي الولادة.

وهل الأزمة تؤثر في المرأة فقط من الناحية الطبية المباشرة؟

لا، لأن المرأة تعيش الأزمة الصحية والإنسانية في الوقت نفسه، فهناك الحوامل، وهناك الأمهات، وهناك النساء اللاتي يحتجن إلى خدمات صحية مستمرة، وهناك أيضا آثار نفسية واجتماعية كبيرة، كما أن الظروف المعيشية والنزوح والاكتظاظ ونقص المياه والغذاء تزيد من المخاطر الصحية على النساء والأطفال.

والأطفال من أكثر الفئات تأثرا، فالطفل يحتاج إلى الغذاء والمياه النظيفة والتطعيم والرعاية الصحية، وإذا غابت هذه الأشياء فإن الأمراض تنتشر بسهولة، وتوجد أمراض تنفسية، وأمراض جلدية، وأمراض مرتبطة بالمياه، وهناك الإسهال وغيرها من الأمراض التي تنتشر في ظروف الاكتظاظ وضعف النظافة.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى تسجيل أكثر من 18 ألف حالة من جدري الماء والطفيليات الخارجية والقوباء خلال إحدى الفترات التي رصدها القطاع الصحي، فيما استمرت الأمراض المرتبطة بالمياه في الارتفاع.

هل هناك أرقام تكشف حجم المشكلة الغذائية والصحية عند الأطفال؟

نعم، وهناك أرقام مهمة جدا، فمسح اليونيسف للتغذية في المناطق التي أمكن الوصول إليها في غزة خلال مايو ويونيو 2026؛ أظهر أن 12.2% من الأطفال دون الخامسة يعانون التقزم، وأن 37.1% منهم تعرضوا للإسهال خلال الأسبوعين السابقين للمسح، بينما لم يحصل سوى 22.4% من الأطفال بين 6 و23 شهرا على الحد الأدنى المقبول من الغذاء.

كما أظهر المسح وجود سوء تغذية لدى الأمهات، وهنا يجب التأكيد أن هذه النتائج تخص المناطق التي أمكن الوصول إليها خلال فترة المسح، ولا تمثل إحصاءً شاملًا لكل سكان غزة.

وماذا عن الأطفال الذين أصيبوا خلال الحرب؟

هؤلاء يحتاجون إلى رعاية لسنوات، يوجد أطفال فقدوا أطرافا، وهناك من يحتاج إلى عمليات متعددة، وهناك من يحتاج إلى علاج طبيعي وأطراف صناعية وإعادة تأهيل، وهناك أيضا أطفال يحتاجون إلى دعم نفسي بسبب ما تعرضوا له، فإعادة التأهيل جزء أساسي من العلاج، ولا يمكن أن نقول إن علاج المصاب انتهى بمجرد خروجه من غرفة العمليات.

منظمة الصحة العالمية تشير إلى وجود آلاف الأشخاص الذين يعانون إصابات طويلة الأمد، بينما لا يزال الوصول إلى خدمات الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل محدودًا للغاية.

إذن المياه والصرف الصحي أصبحت جزءا من الأزمة الصحية؟

طبعا، فالصحة ليست مستشفى ودواء فقط، فعندما يعيش الناس في مناطق مكتظة، وتكون المياه غير آمنة، وتتعطل خدمات الصرف الصحي، وتتراكم المخلفات، فإن الأمراض تنتشر بصورة أسرع، وهذا يضغط على القطاع الصحي الذي يعاني أصلا من نقص الأطباء والأدوية والمستلزمات.

وقد حذرت منظمة الصحة العالمية من ارتفاع حالات الإسهال المائي الحاد وتفاقم مخاطر تفشي الأمراض في ظل الازدحام ونقص المياه والصرف الصحي.

هل الأزمة تنتهي عند غزة أم أن الضفة الغربية تعاني أيضا؟

الضفة الغربية تعاني أيضا، وإن كانت المشكلة مختلفة، فهناك أكثر من ألف بوابة وحاجز عسكري تعيق حركة المواطنين والمرضى والطواقم الطبية، والمريض قد يكون بحاجة إلى الوصول إلى مستشفى أو مركز صحي، لكن الحركة تصبح صعبة، والطبيب نفسه قد لا يستطيع الوصول إلى مكان عمله، وهذا يؤثر بصورة خاصة على الحالات التي تحتاج إلى متابعة منتظمة، وعلى الحالات الطارئة والنساء الحوامل والمرضى الذين يحتاجون إلى تحويلات طبية، كما أن هناك نقصا في الأدوية وبعض الاحتياجات الطبية الأساسية.

وماذا عن الأطباء في الضفة الغربية؟

الطبيب جزء من المجتمع، وبالتالي يتأثر بالقيود المفروضة على الحركة، فعندما يكون هناك حاجز أو بوابة تعيق وصول الطبيب إلى المستشفى، فإن الخدمة الطبية تتأثر، وهذا يعني أن المشكلة ليست فقط في توافر المستشفى، وإنما في قدرة المريض والطبيب على الوصول إليه.

هل تعرض العاملون في القطاع الصحي في غزة للاستهداف أو الاعتقال؟

نعم، وهذه من القضايا التي تؤلمنا بشدة، فهناك أطباء وعاملون صحيون تعرضوا للقتل، وهناك من تم اعتقالهم أو تعرضوا للاعتداء، وهناك من نزح ولم يتمكن من العودة، وعندما تفقد طبيبا أو ممرضا أو مسعفا، فإنك لا تفقد شخصا فقط، وإنما تفقد جزءا من القدرة على تقديم الرعاية للمرضى.

ومنظمة الصحة العالمية وثقت منذ عام 2023 ما لا يقل عن 920 هجوما على المنشآت والعاملين الصحيين، وقالت إن أكثر من 1700 عامل صحي قتلوا خلال هذه الفترة.

هل وصل دعم طبي عربي ودولي إلى غزة؟

في بداية العدوان، وقبل الفترة الأخيرة، وصلت إلى غزة وفود طبية عربية ودولية عديدة، وهذه الوفود كان لها دور مهم جدا، ولولاها لما تم تقديم الرعاية والعناية لعدد كبير من المصابين والمرضى الفلسطينيين، فالأطباء العرب والدوليون الذين وصلوا إلى غزة عملوا في ظروف صعبة جدا، وقدموا خدمات مهمة للمرضى والمصابين، لكن في الفترة الأخيرة أصبح دخول كثير من الوفود الطبية إلى غزة أكثر صعوبة، وهناك عوائق تحول دون وصول فرق طبية ترغب في تقديم المساعدة.

هل ترى أن العمل العربي الطبي يحتاج إلى آلية أكثر استمرارًا؟

بالتأكيد، نحن نحتاج إلى استمرار التنسيق بين النقابات والاتحادات الطبية العربية، لأن الأزمة ليست قصيرة الأمد، وهناك احتياجات عاجلة، وهناك احتياجات لإعادة بناء القطاع الصحي، فنحن نحتاج إلى أدوية ومستلزمات ووفود طبية، ونحتاج أيضا إلى تدريب ودعم الكوادر وإعادة تأهيل المستشفيات.

وماذا عن مصر ودورها في دعم سكان القطاع؟

مصر في المقدمة دائما، وأقول ذلك ليس مجاملة، وإنما لأنها حقيقة، مصر كانت ولا تزال رائدة في أي عمل يقدم للشعب الفلسطيني، وخاصة لقطاع غزة، فمصر تنسق دخول الوفود الطبية والمساعدات الطبية والأدوية والمستلزمات والبضائع، وتنسق كذلك ما يستطيع العالم تقديمه للشعب الفلسطيني، ولم تأل مصر جهدا في تسهيل وصول الدعم، كما شارك أطباء مصريون في وفود طبية قدمت الرعاية والعلاج للمصابين والمرضى الفلسطينيين، ونحن نقدر هذا الدور المصري، ونقدر كل طبيب مصري شارك في تقديم الخدمة الطبية لأهلنا في غزة.

هل ترى أن المطلوب الآن هو مساعدات عاجلة أم إعادة بناء القطاع الصحي بالكامل؟

نحتاج إلى الأمرين معا، فهناك احتياجات عاجلة لا تحتمل الانتظار، مثل الأدوية والمستلزمات والوقود والمعدات، وفي الوقت نفسه، هناك حاجة إلى إعادة بناء المستشفيات والمراكز الصحية، وإعادة البناء ليست مباني فقط، نحن نحتاج إلى الطبيب والممرض والفني، ونحتاج إلى الأجهزة والمختبرات والأشعة وغرف العمليات والعناية المركزة والطوارئ والولادة والأطفال والأورام والقلب والكلى والتأهيل، نحتاج إلى إعادة بناء منظومة صحية كاملة.

هل يمكن أن يستغرق هذا سنوات؟

بالتأكيد، فالآثار الصحية للحرب لن تنتهي بمجرد توقف القتال أو إعادة تشغيل بعض المستشفيات، فهناك أشخاص فقدوا أطرافا ويحتاجون إلى تأهيل، وهناك مرضى مزمنون يحتاجون إلى علاج مدى الحياة، وهناك أطفال يحتاجون إلى رعاية نفسية وغذائية، وهناك نساء يحتجن إلى رعاية صحية وإنجابية، لذلك فإن إعادة بناء الصحة في غزة تحتاج إلى خطة طويلة المدى.

هناك حديث عن استخدام أسلحة أو مواد محرمة دوليا.. ماذا لديكم في هذا الملف؟ 

وصلتنا معلومات عن استخدام أنواع مختلفة من الأسلحة والمواد، وهناك معلومات عن إصابات مختلفة، بينها إصابات نعتقد أنها مرتبطة بمواد كيميائية، إضافة إلى آثار جسدية ونفسية، لكن المشكلة أننا لا نستطيع حتى الآن أن نقول إن كل هذه المعلومات تم التحقق منها ميدانيًا، لأن الفرق الفنية المختصة لم تتمكن من دخول بعض المناطق والوصول إليها لإجراء الفحوص اللازمة، ولذلك نحن بحاجة إلى السماح للفرق الفنية والطبية المختصة بالدخول وفحص المناطق والحالات.

ما يصل إلينا من معلومات مهم، لكن التحقق العلمي والفني ضروري حتى نستطيع تحديد طبيعة المواد والإصابات وأسبابها بصورة دقيقة.

في ضوء كل ما سبق، ماذا تتوقعون من اجتماع اتحاد الأطباء العرب؟

نأمل أن يخرج الاجتماع بنتائج إيجابية تنعكس على المرضى وعلى الأطباء والكوادر الطبية الفلسطينية، فنحن لا نحتاج فقط إلى بيانات تضامن، وإنما نحتاج إلى خطوات عملية، نحن نحتاج إلى دعم المستشفيات، وتوفير الأدوية والمستلزمات، وإرسال الوفود الطبية، ودعم الأطباء، والمساعدة في إعادة تأهيل القطاع الصحي، ونأمل أن يستمر العمل العربي المشترك، لأن حجم الأزمة أكبر من أن تتحمله جهة واحدة.

وما رسالتك الأخيرة إلى الأطباء العرب وإلى المجتمع الدولي؟

رسالتي أن الوضع الفلسطيني لا يحتاج إلى الكلام، وإنما يحتاج إلى الدعم والمساعدة والمساندة، نريد أن يبقى المريض الفلسطيني في مقدمة الاهتمام، وأن يحصل على حقه في العلاج، وأن يحصل الطبيب الفلسطيني على الحماية والدعم حتى يستطيع أن يؤدي واجبه، ونحن نرحب بكل وفد طبي عربي، وبكل مساعدة طبية، وبكل مبادرة تخفف عن أهلنا في غزة والضفة الغربية، ونؤكد تقديرنا لمصر، التي كانت وستظل في مقدمة الداعمين للشعب الفلسطيني، ونأمل أن يستمر الدعم العربي حتى يستطيع القطاع الصحي الفلسطيني استعادة قدرته على العمل، وحتى يحصل المريض الفلسطيني على حقه الطبيعي في العلاج والرعاية والحياة.