صدى البلد
رئيس التحرير

قوانين الأحوال الشخصية.. نظرة إلى الواقع قليلًا

سمية عبدالمنعم
سمية عبدالمنعم

ليس لأحد أن ينكر هذا التطور الملحوظ في قوانين الأحوال الشخصية، خاصة فيما يتعلق بحقوق الزوجة والمطلقة.
بل وبمشاريع القوانين التي تحتل مرتبة أولى على جدول اهتمامات الدولة ومجلس الشعب والمؤسسات المعنية بحقوق المرأة..
بل ووسائل الإعلام أيضا، وهو الأمر الذي فجر لغطًا شديدًا في الآونة الأخيرة، حول كون ما يُطرح في الأعمال الفنية قد يحدث في الواقع حقا، أم أن الكثير من المبالغة والتهويل يشوب أحداثه. 
ولهؤلاء.. لمن يظنون المبالغة والتهويل، أؤكد لهم أن الواقع قد تخطى ما يُطرح أمام الشاشات بمراحل محزنة، قد يصل أحيانا حدًّا يعجز الخيال عن تصويره.
لكنني في معرض مقالي هذا لا يعنيني كثيرا المكذبون، بقدر ما يعنيني أن يصل حديثي لواضعي قوانين الأحوال الشخصية، ولمنفذيها.
فبين هذا الكم من القوانين المنصفة للمرأة المطلقة سواء فيما ينظم قوانين النفقة والحصول على حقوق الزوجة والأبناء، يفتقر الأمر لتنفيذ تلك القوانين التنفيذ الأمثل بما يتواءم مع الواقع ومتطلباته.
وإذا ما اتخذنا قانون النفقة مثالا، حيث كان قرار الدولة بإدخال بنك ناصر وسيطًا لصرف النفقة للمرأة والأطفال، وإلزام الزوج بالدفع، في تعديلها للقانون 58 لسنة 1937 على المتهربين من سداد النفقات المستحقة عليهم، بما جاء نصه: "كل من صدر عليه حكم قضائي واجب النفاذ بدفع نفقة لزوجه أو أقاربه أو أصهاره أو أجرة حضانة أو رضاعة أو مسكن وامتنع عن الدفع مع قدرته عليه مدة ثلاثة شهور، بعد التنبيه عليه بالدفع، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين" . 
فإن الأمر في ظاهره تبدو الرحمة، إلا أنه يحمل في باطنه وعلى يمينه ويساره جل العذاب. 
فالواقع يؤكد أن الزوجة أو المطلقة حتى تصل لصرف تلك النفقة، التي مهما بلغ مقدار ما جاء به حكم النفقة، فإن بنك ناصر لا يصرف لها منها سوى خمسمائة جنيه فقط، فهي تمر بكم من المراحل والإجراءات والتي قد تستغرق شهورا حتى يتم الصرف، ولو فرضنا أن حكم النفقة تجاوز تلك الخمسمائة جنيه، فعليها أن ترفع بالمتبقي دعوى متجمد، وتحاول مع محاميها الحصول عليها، وخوض معركة أخرى من تملص الزوج وألاعيب محاميه، ولتظل هي وأبناؤها تحت مقصلة تلك الألاعيب، وإذا كانت امرأة غير عاملة وليس لأهلها ما يساعدونها به، فلك أن تتخيل معي ما سوف يؤول إليه مصيرها وأبنائها، وأنّى لها ما يكفي متطلباتها وأبنائها طوال تلك الفترة، إلى جانب مصاريف الدعاوى والمحاماة. 
أما إذا استطاع طليقها أو زوجها أن يتحايل على القانون بتحريات تقل كثيرا عن دخله الشهري، لتجد في نهاية الرحلة أن كل نفقتها وصغارها هي خمسمائة جنيه، وحاولت مع محاميها رفع دعوى استئناف أو زيادة للنفقة بعد مدة من صرفها، فإنها تقابل بصلف إجراءات بنك ناصر، الذي يكون أول من يقف حجر عثرة أمام حصولها على صورة ضوئية لأي مستند يضمه ملفها الذي قدمته هي بنفسها للبنك، حيث يكون المستند الذي تطلبه ضروريا لرفع دعوى الزيادة، ليتحجج مسئولو البنك بقرار وزارة العدل بعدم خروج أي مستند للزوجة الا بتصريح من المحكمة، مع العلم أن تصريح المحكمة لكي يصدر لابد أن ترفع الزوجة في البدء دعوى الزيادة والتي بدورها لا يمكن رفعها إلا بوجود ذلك المستند، فنجد أنفسنا في النهاية ندور في حلقة رديئة من التعنت غير المبرر، والذي تكون ضحيته الزوجة وصغارها، فإما أن تصاب بيأس وتنأى عن الدخول في معارك قضائية وتنسى أمر النفقة، أو تدخل في صراع شخصي مع طليقها لا تحمد عقباه، لنتوهم بعد كل ذلك أننا نقدم حلولا ناجعة، فنفاجأ أننا إنما نسهم في تخريج جيل من الأطفال مشوه نفسيا، وسيدات فقدن الأمل في الحياة، دون جريرة ارتكبنها.
جميل أن نرى قانونا ينصف المطلقات والأطفال، لكن الأجمل منه حقا أن يكون تنفيذ ذلك القانون واقعيًّا، منصفًا، ربما حينئذ صفقنا لمن يضعه ولمن نفذه، ورفعنا لهم قبعاتنا احترامًا.